صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

124

تفسير القرآن الكريم

تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ 4 / 113 ] فتلقيه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالقرآن من حيث هو قرآن بأن يتخلق به ، إذ كان القرآن خلقه ، كما هو المروي عن بعض أزواجه حين سئلت عن خلقه صلى اللّه عليه وآله وسلم فإن اللّه يقول : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ 68 / 4 ] قالت : كان خلقه القرآن « 1 » وأما تلقى الكتاب وتعلمه فبالدراسة والقراءة والتلاوة ، فالأنبياء عليهم السّلام يتدارسون الكتب لقوله تعالى كُتُبٍ يَدْرُسُونَها [ 34 / 44 ] . وخامسها : إن تنزيل القرآن على قلب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومكاشفة أسراره منه وتجلى أنواره له أمر بينه وبين اللّه لا يطلّع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، وأما إنزال الكتب على سائر الأنبياء فهي مما يقرأها كل قار . وسادسها : إن سائر الكتب يستوي في هداها الأنبياء والأمم ، لقوله في هذه الآية : وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ [ 32 / 23 ] وقوله هُدىً لِلنَّاسِ [ 2 / 185 ] وأما القرآن من حيث هو كلام فالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مخصوص بالهداية به عند تجلى أنواره في التنزيل على قلب الرسول ، كما قال وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وقال : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أي خصصك بهداه وعلمه . وسابعها : إن الكتب المنزلة عليهم كانت تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من اللّه يجيء به إلى قومه ليكون هدى لهم ، كما قال : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً [ 6 / 91 ] وأما تنزيل القرآن على قلب الخاتم صلى اللّه عليه وآله وسلم فكان تصرفه فيه بأن جعله نورا من اللّه يجيء ذلك النور إلى الأمة ومعه القرآن ، كما قال تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ - وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم - وَكِتابٌ مُبِينٌ [ 5 / 15 ] فشتّان بين نبي يجيء ويكون هو بذاته نورا ومعه كتاب ، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب . وثامنها : قد فرق اللّه بين ما شرف النبي الخاتم صلى اللّه عليه وآله وسلم بإنزال الكلام على قلبه ، وبين ما شرفوا به من إنزال الكتاب ، فقال تعالى تشريفا لموسى ( ع ) :

--> ( 1 ) المسند : 6 / 91 و 163 عن عائشة .