صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

118

تفسير القرآن الكريم

وثالثها : إنه جاء على طريق الأطماع دون التحقق ، لئلا يتكل العباد مثل : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ 66 / 8 ] . ورابعها : إنه وقع « لعل » موقع المجاز لا الحقيقة ، لأن اللّه عز وجل خلق عباده ليستعبدهم بالتكليف وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلل في أقدارهم وتمكنهم ، وهداهم النجدين ، وأراد منهم أن يتقوا ويتوبوا إليه ليرجّح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان ، كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ، ونظيره قوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ 11 / 7 ] وقيل : لعل بمعنى « كي » ووجّه بأنها للإطماع ، والإطماع من الكريم يجري مجرى المختار . وخامسها : ما قال القفال وهو أن في « لعل » معنى التكرير والتأكيد ، إذ اللام للابتداء ، نحو « لقد » ولقولهم « علّك » أي تفعل كذا و « علّ » يفيد التكرير ، ومنه العلّ بعد النهل ، فقول القائل : « افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك » معناه : افعل فإن فعلك يؤكد طلبك ويقويك ] . وأما ما ألهمني اللّه به وقذف في قلبي من نوره ، وهو أن لعلم اللّه تعالى وإرادته مراتب متفاوتة في النزول ، فكما ان لعلمه مرتبة كمالية هي نفس ذاته بذاته ، إذ بذاته يعلم جميع الأشياء الكلية والجزئية ، وهذا العلم ليس متكثرا بل علم واحد اجمالي ، هو واجب بالذات وهو مرآة كل الحقائق ومجلى جميع الرقائق ، وبعد ذلك مرتبة تفصيل المعقولات الكلية ، وهو مرتبة القضاء الإلهى وهي مفاتيح الغيب ، لقوله : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ 6 / 59 ] وهي أيضا خزائن الرحمة لقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ 15 / 21 ] ثم بعده مرتبة الجزئيات والشخصيات المقدرة بأوقاتها وأزمنتها المثبتة بهيئاتها في كتاب لا يجلّيها لوقتها إلا هو ، وهذه المرتبة « عالم القدر » لقوله : وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ 15 / 21 ] وهذا هو « كتاب المحو والإثبات » كما أن السابق « اللوح المحفوظ » لقوله : يَمْحُوا