صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
114
تفسير القرآن الكريم
قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 19 إلى 20 ] أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) جَنَّاتُ الْمَأْوى نوع من الجنان ، كل منها غاية ما يمكن لطائفة من الناس أن يبلغ إليها بقوة الايمان والعمل الصالح ، لأن صيغة الجمع تدل على أنها مراتب متفاوتة ، قال جلّ عزه : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى [ 53 / 15 ] . وقيل : سمّيت بذلك لما روي عن ابن عباس ، قال : تأوى إليها أرواح الشهداء . وقيل : هي عن يمين العرش . وقرء : « جنة المأوى » - على الإفراد - . و « النزل » عطاء النازل ، ثم عمّم . والمعنى : لما فارق الحق سبحانه في الآية السابقة بين المؤمن والكافر في الحقيقة والمرتبة ، ونفى عنهما السماوات ، أراد أن ينبّه على ذلك بتفصيل دواعي كل واحدة من هاتين الطائفتين عن الأخرى والفرق بين أعراضهما وغاية قصودهما ونهاية توجههما ، لأن تباين المأوى الطبيعي يدل على تباين الطبيعة المقتضية ، فإن لكل طبيعة حيّزا طبيعيا ، ولكل من الطيور مأوى خاصا ، والتعبير عن مقام كل من القبيلتين بالمأوى تنبيه بليغ لمن وفّق لإدراك الإشارات القرآنية والآيات الإلهية على أن السعيد مفطور في أن يعمل عمل أهل الجنة والشقي مفطور في أن يعمل أعمال أهل النار ، وهما طالبان بالاختيار لما قدّر لهما في دار القرار . وأما قوله في حق الكفار : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها - مِنْ غَمٍّ - أُعِيدُوا