صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

112

تفسير القرآن الكريم

مكاشفة إنه لما علم مما سبق غاية خسّة الكافر والفاسق بحيث ينزل درجتهم عن درجة الأنعام والبهائم لقوله : « ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » وغاية درجة المؤمن بحيث يعلو ويفوق على كثير من خلقه تعالى ، حتى ضروب من ملائكة اللّه لقوله تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فيتوهم هاهنا للنفوس الغير المتدرّبة في العلوم الدقيقة والأنظار اللطيفة العميقة ، إن أفراد الإنسان لما كانت متساوية الحقيقة فيمتنع أن يصير بعضهم أعلى عليين وبعضهم أسفل سافلين . والجواب بأن هذه التفاوت إنما يكون بالعوارض الغريبة التي لا مدخلية لها في تقوّم شيء من الأفراد غير منجّح ( صحيح - ن ) ولا يقبله الطبائع السليمة ، كيف والسبب الاتفاقي لا يكون دائميا ولا أكثريا ، فلا بد أن يكون علة خلود المؤمن في الجنة وعلة خلود الكافر في النار أمرا داخلا في تجوهر العبد وحقيقته وذاته ، بل الحق الحقيق بالتصديق ان الإنسان بحسب النشأة الأخروية أنواع مختلفة حسب اختلاف الأخلاق والملكات الراسخة في باطنه ، وستظهر في القيامة بصورها المناسبة لمعانيها المتخالفة الحقائق . وممن تفطن بهذا المطلب المنكشف بنور القرآن واحد من الفلاسفة المعروف بفرفوريوس ، القائل باتحاد العاقل والمعقول ، لكن لم يبلغ نظره إلى مرتبة البالغين من رجال هذا الدين المتين ، الذي هو صراط السالكين إلى عالم الحق واليقين ، فاللّه سبحانه رفع نقاب الاختفاء وكشف غطاء الامتراء عن المحجة البيضاء ، وبين هاهنا نفي المماثلة بين المؤمن والكافر في الذات والحقيقة ، وسلب المساواة بين العارف والمنكر في درجة الماهية ، كما في قوله تعالى : « « هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ » » [ 39 / 9 ] .