صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
103
تفسير القرآن الكريم
اشراق فرقانى اعلم إن أسعد الخلق في الآخرة أقواهم حبا للّه وأشدهم شوقا للقائه ، فإن معنى الآخرة القدوم على اللّه ودرك سعادة لقائه ، وما أعظم نعيم المحب المستهتر إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير مزاحم ومكدر ومنغص ورقيب وخوف الانقطاع ، إلا أن هذا النعيم على قدر الحب واستيلائه وشدته ، وإن لم ينفك عن أصل المحبة مؤمن ، كما لا ينفك عباده عن أصل المعرفة ، وإلا لم يكن المؤمن مؤمنا - هذا خلف - . وإنما يحصل ذلك بشيئين : أحدهما : قطع العلائق وإخراج حب الدنيا وما فيها من القلب ، فبقدر ما يشغل القلب بغير اللّه ينقص منه حب اللّه ويفرغ إناء قلبه عن ذكر اللّه بقدر اشتغاله بغيره ، لأن قلب كل أحد واحد : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ 33 / 4 ] والكفر عبارة عن امتلاء القلب بمحبة الباطل ، وكل ما سوى اللّه باطل دون وجهه الكريم ، والمحب التام المحبة للّه من امتلاء قلبه من محبته ، وإليه الإشارة بقوله : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [ 6 / 91 ] بل هو معنى قول لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ على التحقيق ، أي لا معبود ولا محبوب سواه ، ولذلك قال أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ 45 / 23 ] وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم : أبغض إله عبد في الأرض الهوى ، « 1 » ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من قال لا إله إلا اللّه مخلصا وجبت له الجنة » ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه للّه ، فلا يبقى فيه شركة لغير للّه ، ومن هذا حاله فالدنيا سجنه ، لأنها مانعة له عن مشاهدة محبوبه ، وموته خلاصه من السجن وقدومه على محبوبه .
--> ( 1 ) في الدر المنثور ( 5 / 73 ) : قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : ما تحت ظل السماء من اله يعبد من دون اللّه أعظم عند اللّه من هوى متبع .