صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
22
تفسير القرآن الكريم
الحقائق ، وأكثر الناس غلبت عليهم الجسميّة والكثافة والنفاق والشيطنة ، وكلاهما حجاب ، الا أن الأول من باب النقص الواقع بسبب التجسم في أول الفطرة ، والثاني من باب المرض المزمن الطاري . فإذا تقرر ذلك فاعلم أن القول قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ 32 / 13 ] وهو عبارة عن حكمه القضائي وتقديره الأزلي بأن نظام هذا العالم وعمارته وقوامه ووجود العلماء المهتدين ، وعبوديتهم لا ينتظم ولا يصلح الا بأن يكون في العالم نفوس غلاظ وقلوب قاسية ، وشياطين انسية مكارة بحسب ما غلب عليهم من طاعة الشهوة والغضب ، وخدمة الهوى والتردي إلى أسفل درك جحيم الدنيا وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ 11 / 119 ] فيتوجّهون بتلك الدواعي والاغراض الخسيسة إلى عمارة الدنيا والسعي في طلبها والإخلاد إليها والعمل لأجلها ، من الزراعة والعمارة وإخراج القنوات وتحصيل المزروعات وصنعة المكاسب الدنيّة والصنائع الكثيفة ، كالحجامة والكنس والحياكة وغير ذلك ، وسبيل عمارة الدنيا غير سبيل عمارة الآخرة من تلطيف السر بالتقوى وتنوير الروح بالعلم والهدى ، الا ترى إلى قوله تعالى في الحديث القدسي : « انى جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم » و في الحديث : « ان اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » . وقد أوردنا هذه المعاني والدلائل في تفسير سورة السجدة « 1 » عند قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ 32 / 13 ] . ومن تأمل في وضع الدنيا وأسبابها علم أن التعيّش لا يتصور الا بأن يكون أكثر الناس غليظة الطبائع ، دنيّة الهمم ، بعيدة عن تذكر الدار الآخرة وعالم
--> ( 1 ) تفسير سورة السجدة : 93 من الطبعة الحديثة .