صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
418
تفسير القرآن الكريم
وإن سئلت الحقّ فلا يزول رين البشريّة وعين التعيّن عن القلوب إلا بجذبة من جذبات الحقّ - التي توازي عمل الثقلين - فانظر في أنه إذا لم تخل مرآة قلب سيد الكائنات ، وأشرف الممكنات عن أصدية الالتفاتات وغيون التوجهات إلى هذا العالم حتى احتاج لحفظ مقام القرب والعبدية إلى الاستغفار في اليوم بليلته سبعين مرة - كما جاء في الحديث المشهور « 1 » - فمن الذي خلصت مرآته ، ونقيت ذاته عن أوصاف البشرية بالكلية بمجرد الاكتساب والعمل من غير جذبة ربّانية ؟ ولا يبعد أن يكون قول بعض المشايخ حيث قال : « الصوفي هو اللّه » إشارة إلى نحو هذا ، أي : التّصوف والتّجرد عن رقّ النفس وعبودية الهوى ، والإقبال بالكليّة إلى الحقّ ، إنّما يحصل بمحض جود اللّه وإمداده في حق السالك المعتصم بحبله المتين ، مثل إلقاء اللّه الإلهامات المتتالية في قلبه ، وإفاضة المعارف المتواردة على سرّه ، ليجرّه بالتعويد من عالم البشريّة إلى عالم الربوبية ، وذلك معنى قوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ 18 / 65 ] . ومن هاهنا ينكشف أن العبادة من غير العلم لا وزن لها ولا قيمة ، وسعي غير العارف كحركات الأموات والجمادات لا قصد فيها ولا معنى لها ولا طائل تحتها ، كالحركة بالعرض ، فإن كل حركة تكون غايتها من جنس مبدئها كما يظهر بالقياس والاستقراء ، وقد ثبت أن الغاية هي عين الفاعل بوجه الكمال ، فمبدأ الحركة إن كان طبيعة تكون غايتها أمرا طبيعيا كالوصول إلى الحيّز الطبيعي ، وإن كان أمرا حيوانيا فغايته أمر حيواني كالأكل والشرب والشهوة والانتقام ، وإن كان مبدءا روحانيّا فغايته الوصول إلى عالم الملكوت كالمعارف الأخروية وإن كان أمرا إلهيّا ، فغايته القرب والمنزلة عند اللّه بفناء النفس عن ذاتها و
--> ( 1 ) ابن ماجة : كتاب الأدب ، باب الاستغفار : 2 / 1254 .