صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
360
تفسير القرآن الكريم
المظهر لغيره » ودريت مما ذكرناه أن حقيقة النور مما لا يظهر لأحد إلا بالمشاهدة الحضورية ، دون حصول صورة منها في الذهن ، لأن كل صورة ذهنيّة فهي تكون كلية أبدا - ولو تخصّصت بألف مخصّص - فيكون مبهما ، والمبهم لا يكون متعيّنا ظاهرا في نفسه ، وعلى فرض تخصّصه يحتاج في ظهوره وتعيّنه إلى ذلك المخصّص ، فلا يكون ظهوره عين ذاته ، فلا يكون ظاهرا بذاته مظهرا لغيره - هذا خلف . وأيضا كل ما هو غير النور فهو خفيّ في ذاته ، مظلم في جوهره ، ظاهر بالنور مستضيء به ، فكيف يكون هو مظهرا للنور ومعرّفا كاشفا له ؟ فتيقّن أن اللّه تعالى هو ظاهر بذاته إذ ذاته عين ظهور ذاته لذاته ، وعين ظهور جميع الأشياء له ، كما أنه مظهرها من مكمن الخفاء وموجدها من كتم العدم إلى عالم الوجود ، فبذاته النيّرة يتنور غسق الماهيات المظلمة الذوات وينتشر به النور في أهوية الهويات ، وتطلع شمس عظمته على آفاق حقائق الممكنات ويطرد العدم والظلمة عن إقليم المعاني والمعقولات ، فلو لم يكن طلوع ذاته النيّرة في آفاق هويّات الممكنات ، وإشراق نوره على السماوات والأرض وما فيهما لم يكن لذرّة من الذرات وجود ، ولا لأحد من الموجودات حصول - لا في العقل ولا في العين - . و في الحديث النبوي « 1 » المصطفوي - على قائله وآله أكرم كرائم تسليمات اللّه - : « إن اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره » وبهذا في الحقيقة ينكشف معنى قوله سبحانه : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ [ 32 / 5 ] وقوله : أَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ 9 / 78 ] فإن التدبير من اللّه عين إشراق
--> ( 1 ) في الجامع الصغير ( 1 / 70 ) : « ان اللّه تعالى خلق خلقه في ظلمة ، فألقى عليهم من نوره . . . »