صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
348
تفسير القرآن الكريم
المبرز لمقاماتهم ، والشارح لإشاراتهم - فهو حقيقة بسيطة ظاهرة لذاتها مظهرة لغيرها فعلى هذا يجب أن لا يكون لها جنس ولا فصل ، لعدم تركّبها عن الأجزاء ، فلا لها معرّف حدّي ، ولا لها كاشف رسمي ، لعدم خفائها في نفسها ، بل هي أظهر الأشياء ، لكونها مقابلة الظلمة والخفا - تقابل السلب والإيجاب - فلا برهان عليه بل هو البرهان على كلّ شيء . لكن الخفاء والحجاب إنما يطرءان لها بحسب المراتب ، كمرتبة النّور القيّومي ، لغاية ظهورها وبروزها ، فإن شدة الظهور وغلبة التجلي ربما صارتا منشأي الخفاء للمتجلي لفرط الظهور ، وعلى المتجلّى له لغاية القصور ، كما يشاهد من حال عيون الخفافيش عند تجلي النور الشديد الحسّي الشمسي على أحداقها ، فإذا كان الحال هكذا في النور المحسوس ، فما ظنّك بالنور العقلي البالغ حدّ النهاية في الشدة والقوة . وكان النور عند أكابر الصوفية أيضا عبارة عن هذا المعنى - كما يستفاد من مصنّفاتهم ومرموزاتهم - إلا أنّ الفرق بين مذهبهم ومذهب الحكماء الإشراقيين أن النور وإن كان عند أولئك الأكابر حقيقة بسيطة إلا أنها مما يعرض لها بحسب ذاتها التفاوت بالشدة والضعف ، والتعدد والكثرة بحسب الهيئات والتشخصات ، والاختلاف بالواجبية والممكنية ، والجوهرية والعرضيّة ، والغنى والافتقار . وأمّا عند هؤلاء الأعلام من الكرام ، فلا يعرض لها في حدّ ذاتها هذه الأحكام ، بل بحسب تجلياتها وتعيّناتها وشئوناتها واعتباراتها ، فالحقيقة واحدة والتعدد إنما يعرض بحسب اختلاف المظاهر والمرائي والقوابل ، ولا يبعد أن يكون الاختلاف بين المذهبين راجعا إلى التفاوت في الاصطلاحات وأنحاء الإشارات ، والتفنّن في التصريح والتعريض منهم ، والإجمال والتفصيل مع