صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
340
تفسير القرآن الكريم
ولا بتحرير الأدلّة والقياسات وتقرير الحجج واستقصاء المقدّمات مع تمكّنه صلى اللّه عليه وآله من ذلك ، لكونه صاحب الحجج الإلهيّة ، والأدلّة الباهرة والآيات المحقّقة الظاهرة ، ومن أوتي جوامع الكلم ، ومنح علم الأوّلين والآخرين ، بل إنّما وقع ذلك منه في بعض الأحايين مع بعض الناس في أمور يسيرة بالقياس إلى غيرها . والمنقول أيضا عن أوائل الحكماء - الذين اقتبسوا أنوار علومهم من مشكاة نبوّة الأنبياء - نحو ما ذكرنا حيث كان دأبهم الخلوة والرياضة والاشتغال على مقتضى قواعد شرايعهم التي كانوا عليها ، فمتى فتح لهم شيء من العلوم الربّانيّة ذكروا منه للتلاميذ والطلبة - إن اقتضت المصلحة - بلسان الخطابة أولا ، ثم إن توقّفوا عليه أقاموا لهم البراهين والحجج ، وربّما شوّبوا كلامهم بنوع من الجدل لمناسبة الطبائع إليه ابتداء كما أمر به تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله في قوله تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ 16 / 125 ] . وكذلك ذكر الشيخ الرئيس في المقالة السّابعة من إلهيّات الشفاء بقوله « إن الحكمة كانت في قديم ما اشتغل بها اليونانيون خطابيّة ، ثمّ خالطها جدل وكان السابق إلى الجمهور من أقسامها هو القسم الطبيعي ، ثم أخذوا يتنبّهون للتعليمي ، ثمّ الإلهي » كل ذلك عناية من اللّه تعالى في شأن عباده لأجل تكميلهم وإرشادهم بحسب التدرّج في التعليم والهداية من الأسهل إلى الأصعب ، إلى أن وقع الانتقال عنه إلى ما فوقه ، والتوجّه لطلب معرفة جليّة الأمر من جناب الحقّ بالرياضة وتصفية الباطن ، ولهذا كان لهم انتقالات من بعضها إلى بعض . وقال معلّم اليونانيين أرسطو : « إنّا ما ورثنا من الأقدمين إلا ضوابط غير مفصّلة وأما تفصيلها وتمييزها فذلك شيء قد كددنا فيه أنفسنا وأسهرنا فيه أعيننا حتّى