صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

338

تفسير القرآن الكريم

فاستحضر قوله تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ 12 / 76 ] فإن العلم بكتاب اللّه أوسع من أن تحضره حدّ معيّن أو تضبطه قانون مبيّن - هذا - مع أن البشريّة محل النقائص ، فما كان من نقص وعيب فمنها ، لا من الوارد من عالم الغيب . ومع أن هاهنا موانع ( مواقع - ن ) غير ما ذكرت : من إيراد كلام ملائم لطبائع الأنام . ومنها أني لم أؤثر أن أسلك في الصنايع العلميّة - وخصوصا فيما يتعلّق بتفسير كتاب اللّه - مسلك أهل البحث والجدل ، لا سيّما ورد في الكتاب والسنّة التحذير عنه ، كقوله تعالى : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [ 43 / 58 ] وفي الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل » . ومنها طلبي للتلخيص والإيجاز في الكلام ، والتقريب إلى الأفهام ، والاحتجاج في كل معنى ومرام يوجب الإسهاب والإملال ، فينقطع سير الأفكار دون الوصول إلى التّمام . ومنها أن قبلة مخاطبي في معاني القرآن هم المحقّقون من أهل اللّه خاصّة ، أو المحبّون لهم والمتشبّهون بهم ، والمؤمنون بأحوالهم من أهل القلوب المنوّرة الصافية ، والعقول القويّة النافذة في أقطار الملكوت الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ دعاء عقليّا بلسان ملكوتي يريدون وجهه ، يسمعون القول فيتّبعون أحسنه بصفاء طويّة وحسن إصغاء بعد تطهير قلبهم من صفتي الجدل والنزاع ونحوهما ، متعرّضين لنفحات جود اللّه في أيّام دهرهم ، بل حرمت مناولته للموصوفين بأضداد هذه الصفات .

--> ( 1 ) الترمذي : كتاب التفسير ، سورة الزخرف : 5 / 378 . ابن ماجة : المقدمة ، باب 7 : 1 / 19 .