صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

30

تفسير القرآن الكريم

ومتعال عن وصمة مناسبة المحدثات . وقيل : من « أله في الشيء » إذا تحيّر فيه ، لأن العقل وقف بين الإقدام على إثبات ذاته - نظرا إلى وجود مصنوعاته - والتكذيب لنفسه لتعالي ذاته عن ضبط وهمه وحسّه . ولذلك قال المحققون : السالك الواصل إلى درك الواجب لذاته هو نحو البرهان المأخوذ عن معنى الوجود ، وأن له مبدءا قيوما لذاته فهو الشاهد على ذاته وعلى كل شيء لا العقل ، إذ ليس له إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك الجمال والجلال ، فعجز العقل هاهنا عن درك الإدراك إدراك . وقيل : من « لاه يلوه » إذا احتجب . لأنه بكنه صمديّته محتجب عن العقول فإنها إنما يستدل على كون الشعاع مستفادا من الشمس بدورانه معها وجودا وعدما وطلوعا وأفولا وشروقا وغروبا ، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان بكون الشعاع مستفادا منها ، ولما كان ذاته باقيا على حاله وكذا الممكنات التابعة له ، فربما يخطر ببال ضعفاء العقول أن هذه الأشياء موجودة بذواتها ، وكثير منهم لا يمكنهم تصوّر دوام المجعول مع الفاعل التّام مع أن البقاء لأحدهما بالأصالة والحقيقة وللآخر بالتبعية والمجاز - إذ المهيّات والأعيان مظلمة الذوات بذواتها ، لازمة الفقدان والعدم بأنفسها ، إلا أنها مرائي لحقيقة الأول ومجالي لظهور نور الحق لم يزل ، فاختفى الحقّ بالخلق ، وظهر الخلق بنور الحق ، فلا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره ، كما لا سبب لظهور الخلق إلا غاية بطونه وبطلانه ، فالحق محتجب والخلق محجوب . وقيل من « أله الفصيل » إذا ولع بأمّه . لأن العباد يتضرّعون إليه في البليّات وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ هذا شأن الناقصين ، وأما العارفون الكاملون فهم في بحر شهوده مغرقون وهو جليسهم وأنيسهم .