صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
20
تفسير القرآن الكريم
قائم لا يركع ، وراكع لا يسجد ، وساجد لا ينتصب - على حسب مقاماتهم في القرب والمنزلة - لا تتبدّل حالهم لما هم فيه من البهجة والسرور ، فمن خاشع بصره لا يرفع ، ومن ناظر لا يغمض ، ومن ساكن لا يتحرّك ، ومن متحرّك لا يسكن حركة لا تعب فيها ولا إعياء ولا نصب ، ومن كرّوبيّ في عالم القبض ، ومن روحاني في عالم البسط لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ . * * * فهذا مذهب الصابئة ، وقد جرت بينهم وبين الحنفاء مناظرات ومفاوضات في المفاضلة بين الروحانيّ المحض والبشريّة النبويّة وذكرها صاحب كتاب الملل والنحل على شكل سؤال وجواب ، وفيها فوائد لا تحصى ، فنوردها ملخّصة عن الزوائد ليحيط الناظر بما فيها وعليها . فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء وما أجاب به عنها الحنفاء . وهي وجوه : الأوّل إنّ الروحانيّات أبدعت إبداعا لا من شيء - لا مادة ولا هيولى - وهي كلّها جوهر واحد 1 على سنخ واحد وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها ، وهي من شدّة ضيائها لا يدرك بالحسن ، ولا ينالها البصر ، ومن غاية لطافتها لا يجاز فيها العقل « 1 » ، ولا يجول فيها الخيال . ونوع الإنسان مركّب عن العناصر الأربعة ، مؤلّف من مادّة وصورة ، والعناصر متضادّة ومزدوجة بطبائعها ، ومن التضادّ يصدر الاختلاف والهرج ، ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج ، فما هو مبدع لا من شيء لا يكون كمخترع من
--> ( 1 ) المصدر : يحار فيها العقل .