صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

18

تفسير القرآن الكريم

والصابئون هم الذين قالوا بنبوّة اغاثاذيمون وهرمس - وهما شيث وإدريس عليهما السلام « 1 » - ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء - صلوات اللّه عليهم أجمعين - ونسبتهم إلى الحنفاء كنسبة فلاسفة الإسلام إلى الصوفيّة بوجه ، إلّا أنهم زادوا على التفضيل للملك على أهل النبوّة عليهم السلام إلى حيث تركوا طاعتهم وانقيادهم وجعلوا الملائكة قبلة طاعتهم ومنشأ نجاتهم وهدايتهم ، وربما يسمّون بأصحاب الروحانيّات . ومذهبهم إن للعالم صانعا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان ، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله ، وإنّما يتقرّب إليه بالمتوسّطين المقرّبين لديه وهم الروحانيّون المطهّرون ، المقدّسون جوهرا وفعلا وحالة . أمّا الجوهر : فهم المطهّرون عن الموادّ الجسمانيّة ، المبرّءون عن القوى الجسدانيّة ، المنزّهون عن الحركات والتغيّرات الزمانيّة ، قد جبلّوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح فنحن نتقرّب إليهم ونتوكّل عليهم ، وهم أربابنا وشفعاونا عند ربّ الأرباب . فالواجب علينا أن نطهّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعيّة ، ونهذّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهويّة والغضبيّة ، حتّى تحصل بيننا وبينهم مناسبة ، فيفيض علينا بعض أنوارهم وفضائلهم وعلومهم . قالوا : والأنبياء أمثالنا في النوع ، وأشكالنا في الصورة ، يشاركوننا في الحاجة إلى المادّة ، يأكلون مما نأكل ، ويشربون مما نشرب ، ويساهموننا في الصورة ، أناس بشر مثلنا ، فمن أين لنا طاعتهم ، وبأيّة مزيّة لهم لزم متابعتهم ؟ وأمّا الفعل : فهم الأسباب المتوسّطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال ، وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال ، يستمدوّن القوّة

--> ( 1 ) راجع أخبار الحكماء للقفطى ( ص 2 ) ودانشنامهء إيران واسلام ( آ : 104 ) .