صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
13
تفسير القرآن الكريم
قالوا : كيف يصحّ ذلك والملائكة خلقت من نور وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ [ 55 / 15 ] ؟ فأجيب بأنّه كالتمثيل لما ذكر ، فإنّ المراد بالنور الجوهر المضيء ، أو النار كذلك ، غير أنّ ضوئها مكدّر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق ، فإذا صارت مهذّبة مصفاة كانت محض نور ، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ، ولا تزال تتزايد حتى ينطفي نورها ويبقي الدخان الصرف . وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص . وقد مرّ كلام كلّ من الفريقين في الفواتيح مستقصى . واعلم أن لا شبهة لأحد في أن الملك والشيطان متخالفي اللوازم والآثار الذاتيّة . كيف ! وأحدهما بطباعه ملهم الخير والطاعات ؛ والثاني بطباعه موسوس الشرور والمعاصي . واختلاف اللوازم والآثار الذاتيّة دليل اختلاف الملزومات والمؤثّرات بالذات . نعم - كلا الجنسين متّفقان في أنّهما روحانيان غائبان عن الأبصار والحواسّ لا نراهما وقبيلهما إلّا عند تجسّمها وتمثّلهما بصورة من الصور ، بل وجودهما كوجود الموجودات الاخرويّة لا ينكشف على أبصارنا إلّا عند غيبوبتنا عن هذا العالم - كما يقع للمكاشفين - أو لفساد مزاج البدن بواسطة غلبة اليبوسة على الدماغ يتعطّل بها الحواسّ عن الشواغل ، فتستولى قوّة الخيال على المحاكاة الخياليّة - كما للممرورين أو بواسطة تمثّلهما في العين ، أو تصوّرهما بصورة محسوسة جسمانيّة . والظاهر من الأخبار والآثار إن مواطن الملائكة عالم السماوات ودرجاتها على سبيل التعلّق والمباشرة ، وأمّا تعلّقها بعالم الأرضيّات فعلى سبيل الامداد والاستخدام للقوى الأرضية ، وإن مواطن الشياطين والجنّ عالم الأرضيّات على سبيل التعّلق والمباشرة . وأمّا عالم السماء فلها اجتيازات على نهج العبور والاستراق للسمع - دون