صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
25
تفسير القرآن الكريم
كثيرا ما يتصامم عن ذكر الآيات والحجج والبيّنات حذرا عن سماع ما يوجب فساد عاقبتهم ويظهر عليهم مآل ما هم عليه من النفاق والفسق ولا يعلم السفيه الأحمق إنّ التصامم والتعامي لا يدفع الداهية والموت ، كما إنّ الصاعقة لو أتت إلى شخص لا يمكن له دفعها بجعل إصبعيه في أذنيه . وقوله يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ إشارة إلى أنّ لمعات القرآن أو الايمان وأنواره الباهرة يكاد يخطف أبصار بصائر الناظرين فيه حتّى كأنّهم لضعف بصائرهم عن احتمال شوارقها ولوامعها كالمبهوتين المتحيّرين . والمراد من قوله كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ إنّه متى ظهر لهم أو نقل إليهم شيء من خوارق العادات والكرامات أو متى حصل لهم شيء من المنافع كحصول الغنائم أو التوقير والتقديم في المجالس أو تولية الأمور كضبط الأموال وحفظ الأمانات وسعاية الزكوات والحسبة والشهادة وغيرها ، فإنّهم يرغبون في الدين ويجهدون في العمل . وإذا اظلم عليهم أي متى لم يجدوا شيئا من الكرامات أو من المنافع ، فحينئذ يقفون عن العمل ويكرهون الايمان ولا يرغبون فيه هذا ما ظهر في معنى الآية . ويقرب منه ما قيل : شبّه الايمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحياة الأبديّة بالصيّب الذي به حيوة الأرض ، وما ارتبكت بها من الشبه المبطلة واعترضت دونها من الاعتراضات المشكلة لأهل البدع بالظلمات ، وما فيها من الوعد والوعيد بالرعد ، وما فيها من الآيات الباهرة بالبرق ، وتصاممهم عمّا يسمعون من الوعيد بحال من يهوّله الرعد فيخاف صواعقه فيسدّ أذنه عنها مع إنّه لا خلاص لهم منها وهو معنى قوله : واللّه محيط بالكافرين . واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلّما أضاء لهم ، وتوقّفهم في الأمر حين يعرض لهم شبهة أو تعنّ لهم مصيبة بتوقّفهم إذا أظلم عليهم ، وأشير بقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إلى أنّه سبحانه جعل لهم السمع والأبصار