صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

21

تفسير القرآن الكريم

« صيّر » علّق بشيئين فجرى مجرى أفعال القلوب . ومنه قوله وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ أصله : « هم في ظلمات » ثمّ دخل « ترك » فنصبهما . ومفعول لا يُبْصِرُونَ من قبيل المتروك المطرح ، لا من قبيل المقدّر المنويّ ، إذ الغرض سلب الإبصار ، لا سلب تعلّقه بشيء ، كما في قوله : وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ 7 / 186 ] . تذكرة فيها تبصرة قد علمت تباين المسلكين في تحقيق الآية وتفارقهما في تبيينها من حمل الألفاظ في أحدهما على الحقيقة الباطنيّة وفي الآخر إمّا على التجوّز أو الاستعارة . وكذلك قالوا جريا على طريقتهم في قوله تعالى صمّ بكم عمى ، إنّه لمّا كان المعلوم من حالهم إنّهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون امتنع حمل الآية على الحقيقة فلم يبق إلّا تشبيه حالهم لشدّة تمسّكهم بالعناد وإعراضهم عمّا يطرق سمعهم من القرآن وما يظهره الرسول صلّى اللّه عليه وآله من الأدلّة والآيات كمن هو أصمّ في الحقيقة فلا يسمع ، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب ، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم وإذا لم ينتفع بالأدلّة ولم يبصر طريق الرشد ، فهو بمنزلة الأعمى فحملوا هذه الألفاظ الثلاثة في حقّهم على المجاز والتشبيه لحالهم بحال من ايغت مشاعره وانتفت قواه كقوله « 1 » : صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم اذن وكانت على طريقة قولهم : هم ليوث للشجعان وهم بحور للأسخياء ، وما حملوها على الحقيقة لكونهم مسلوب القوى والمشاعر الاخرويّة التي هذه المشاعر الدنياويّة قشورها وظواهرها ، فإنّ للنفس في ذاتها سمعا وبصرا ونطقا وغير ذلك ، أو لا ترى إنّ

--> ( 1 ) البيت لقعنب بن امّ صاحب بن حمزة ، كما جاء في شرح شواهد الكشاف : 3 / 205 .