صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
13
تفسير القرآن الكريم
ومنها « 1 » أيضا ما يدلّ على أن النار في السماء كما ذكره المجاهد والضحّاك في قوله تعالى وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ إنّ المراد هو الجنّة والنار ، وكما يروى في حديث المعراج أيضا « 2 » إنّه صلّى اللّه عليه وآله رأى في السماء الدنيا مالكا خازن النار وفتح له طريقا من طرق النار لينظر إليها حتى ارتقى إليها من دخانها وشررها وما عن يساره من الباب . إذا تمهّدت هذه المقدّمات فنقول : إنّ اللّه تعالى أراد أن يكشف عن حال المنافقين الذين كانوا مشتغلين باكتساب الظواهر والاغترار ببعض الآثار ، ولم يباشر الايمان قلوبهم واقتصروا على البحث والتكرار ، وصرفوا كدّهم في الصرف والنحو والأشعار وحفظ قوالب الأحاديث والأخبار طلبا لحطام هذه الدار ، وتقرّبا إلى السلاطين والأشرار بحال من استوقد نارا وهي نار النفس الوقّادة التي تستوقد أولا من أشعّة المدارك الحسيّة المتنوّرة بنور الصور المحسوسة وهذه الأنوار الحسيّة التي تنفعل منها الحواسّ وتخرج بها من القوّة إلى الفعل أنوار حادثة متجدّدة زائلة عند فتور القوى ودثورها حين استيلاء المرض والهرم عليها ، وإنّما الفائدة فيها تنبّه النفس بصور هذه المدركات لتنتقل منها إلى إدراك صورها العقليّة وأنوارها المعنويّة الحاصلة في عالم الأنوار وبها تخرج قوّتها العاقلة إلى الفعل وتستسعد بالسعادة الاخرويّة . فمن اقتصر حاله في استعمال هذه القوى لا لأجل تحصيل المعارف الإلهيّة والتنوّر بأنوار الدائمة فهو كمن استوقد نارا واستضاء ما حول نفسه بتلك النار ، وهي القوى الحسّاسة والمحرّكة وحين أضاءت النار ما حوله من القوى والمدارك الخارجة عن ذاته قبل أن يبلغ أثر الضوء إلى نفسه ، ذهب اللّه بنورهم أي بنوره وبنور
--> ( 1 ) الدر المنثور : 6 / 111 . ( 2 ) راجع تفسير القمي في تفسير الآية « سبحان الذي أسرى . . . »