صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

11

تفسير القرآن الكريم

وإنّما تثبت هذه الأوصاف لهذه النيران الدنياويّة ، لأنّها ليست نيرانا محضة بل في مادّتها نار ونور سانح كما مرّ وأمّا التي هي نار محضة ، فتمامها إنّها صورة جوهريّة حارّة بالذّات محرّكة للموادّ محلّلة مذيبة للأجساد ، محرقة مؤذية مهلكة قطّاعة نزّاعة مفسدة للصور الاتّصالية ، وفساد الصور بوارها ، فدار البوار هي محل ظهور سلطان النار . وأمّا عالم النور فهو محل ظهور الحقائق من حيث إنّها حقائق وبقاؤها وسلطانها والأبواب إليها منسدّة إلّا من قبل آثارها ومن ناحية صورها المحسوسة ولهذا قيل : من فقد حسّا فقد علما . ومن تأمّل علم إنّ النيران التي عندنا فمحلّ ناريّتها الحقيقية في الحقيقة دار البوار لا دار القرار ، لأن النار هي المحلّلة المفرقة وهذا المحسوس من النار ليس محرقا حقيقة والذي يباشر الإحراق والتفريق حقّا وحقيقة هي نار مستورة عن هذه الحواسّ خارجة عن فكر الناس والقياس مرتبطة بهذا المحسوس وبغيره ارتباطا وهذا شيء يوافقنا علماء النظر لاعترافهم بأنّ الأثر لا يبقى بعد وجود ما هو الفاعل له حقيقة وإنّما الذي يبقى بعده الأثر فهو فاعل في علم الطبيعة وباصطلاح الطبيعيّين وذلك يسمّى في علم ما بعد الطبيعة وباصطلاح الإلهييّن : « معدّا » ، لا فاعلا مفيدا . فقد تبيّن واتّضح إنّ ناريّة النار أي كونها محلّلة مزيلة للصورة ، ليست حاصلة فيما يفارقه ، وإنّ نار اللّه الكبرى لا مستقرّ لها سوى دار البوار ، لأنّ حقيقتها منبعثة عن تنزّلات الأنوار الإلهيّة والعقليّة عند هبوطها عن عالم النور إلى عالم الاستحالة والدثور فالطبيعة الناريّة سارية في كلّ المستحيلات الجوهريّة . وعندنا إنّ جميع الجواهر الماديّة سماويّة كانت أو أرضيّة سيّالة في ذاتها قابلة للاستحالة الجوهريّة والتجدّد والذوبان بتأثير نيران الطبائع الغير المحسوسة ، وهي نيران اخرويّة كامنة في بواطن الأجسام الدنيويّة والنفس الأمّارة بالسوء أيضا نار موقدة تطّلع على الأفئدة ، وهي كلّها مؤلمة إلا إنّ بين الناس وبين إدراك المها حجابا .