جلال الدين السيوطي

84

معترك الاقران في اعجاز القرآن

من بني إسرائيل أمر بذبح كلّ ذكر يولد لهم ، فألقته في تابوت ، وألقت التابوت في البحر ، وكان فرعون في موضع يشرف على النيل ، فلما رأى التابوت أمر به فسيق إليه ، وامرأته معه ، ففتحه فأشفقت عليه امرأته ، وطلبت أن تتخذه ولدا ، لأنها لم يكن لها ولد ، فأباح لها ذلك ؛ فذلك قوله « 1 » : « وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي » . فهذه المحبة نفعت امرأة فرعون ، وكذلك صفورا نفعت محبّتها لموسى ، وزليخا ليوسف ، وخديجة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . فالمؤمن الذي يحبّ اللّه ويحبّه اللّه أفتراه لا تنفعه محبته ، وهو يقول : يحبّهم ويحبّونه ، ولم تكن هذه المحبة إلا لأمّة الحبيب ، لأنه كان حبيبا ، وحبيبا كحبيب حبيب ، ألا ترى آدم كان صفيّا ، فلم يجد أحد من قومه الصفوة ، وإبراهيم كان خليلا فلم يجد أحد من قومه الخلة ، وهكذا سائر الأنبياء ، لكن من علامة المحبة أولها الإفلاس ، وآخرها الوسواس ، ومن فرّ منه دعاه بكثرة الإحسان حتى يستحى من اللّه ، فيرجع إليه . ( فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ ) « 2 » : يعنى أنّ فرعون لما أخذه من التابوت ، وأسلمه لآسية صارت ترضعه في المراضع ، فلم يقبل ثدي مرضعة ، حتى شاع خبره ، فذهبت أخته إليهم ، وقالت « 3 » : « هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ » . ( فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ ) « 4 » : وهذا من منن اللّه عليه لما قالت لهم : أنا أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، وحرّضتم بهذا الكلام قالوا لها : أنت تعرفين هذا الغلام ؟ قالت : لا ، غير أنى أعلم من هذا البيت الحرص على التقرب

--> ( 1 ) طه : 39 ( 2 ) طه : 40 ( 3 ) طه : 40 ( 4 ) القصص : 13 ، وفي طه ( 40 ) : فرجعناك إلى أمك .