جلال الدين السيوطي
21
معترك الاقران في اعجاز القرآن
إنّ سألني العاصي غفرت له ، وإن سألني المحسن أعطيته سؤله . فهنيئا لكم أيتها الأمة المحمدية ، نسبكم إلى آدم في قوله : يا بني آدم . وبالشريعة إلى نوح في قوله « 1 » : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً » . وبالملّة إلى إبراهيم . وبالأمة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبالعبوديّة إلى نفسه ، والحكمة فيه حتى يشفع آدم فيكم ، فيقول : يا ربّ ، هم أولادي ، ويقول نوح : أهل شريعتي . ويقول إبراهيم : أهل ملّتى . ويقول محمد : أمّتى . ويقول اللّه : عبادي وخواصّى ؛ فالذي نسبك إليه أترى أنه يريد معاقبتك . وقد قال لنوح لمّا أراد عقوبة ولده : إنه ليس من أهلك . أو الرسول الذي بعث إليك يريد تعذيب أمته ، وهو لم ينسهم في الأربعة مقامات : مقام التحية لمولاه في قوله : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين . ومقام الشكر في قوله : والمؤمنون كلّ آمن باللّه وملائكته . ومقام الحاجة سأل من اللّه عشر حاجات ، فأعطاه ما سأل قوله تعالى « 2 » : « غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . . . » إلى آخر السورة . ومقام الشفاعة : « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » . أفترى أنه يرضى بقاء أمته في النار وهو في الجنة ؛ ولذلك يقول له جبريل : أنت منعّم ، وأمّتك في النار ، فيستأذن في الشفاعة فيهم في حديث طويل . وقد عاتبه اللّه يوم بدر لما كان في العريش وأصحابه في الشمس ، فقال : يا محمد ، أنت في الظل وأصحابك في الشمس ؛ أهكذا هي الصحبة ! فسبحان اللطيف بعباده وخصوصا بهذه الأمة . وفي الحديث : أن جميع الأنبياء قالوا ربّنا ، كما قال آدم : ربّنا ظلمنا أنفسنا .
--> ( 1 ) الشورى : 13 ( 2 ) البقرة : 285