جلال الدين السيوطي
18
معترك الاقران في اعجاز القرآن
وأما الرحمتان : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » ؛ فرخّص له في الإفطار والقضاء بأيام أخر . وأما الكرامتان فقوله : « شَهْرُ رَمَضانَ » . وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ؛ فالصيام أفضل الطاعات ؛ لأنه يصوم بأمر ، ويفطر بأمر : كلوا واشربوا . والجوع والعطش وغير التمتّع من عذاب أهل النار ، واللّه لا يجمع على الصائم عذابين ، ويعطون الغرف في الجنة بصبرهم ؛ قال تعالى « 1 » : « أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا » . وكلّ عمل لا يخلو من وجهين : إما طاعة مع الغفلة ، أو معصية مع الشهوة ؛ فجعل اللّه قبول الطاعة بالصوم قوله : « فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » ، وجعل غفران المعصية بالصوم ؛ قال تعالى : « وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً . . . فَصِيامُ شَهْرَيْنِ . . . » . وانتهاء المناهى أفضل من ائتمار الأوامر ؛ ألا ترى أنه قال : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها . قال « 2 » : « وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى » . والصوم من انتهاء المناهى ؛ والزّهد في الحلال أفضل من الزهد في الحرام ، والصوم من الزّهد في الحلال ؛ وفي نداء عباده تعالى بالإيمان من اللطائف والفضائل ما لا يحيط بها إلا هو ، كأنه سبحانه يقول : يا من أقررتم بوحدانيتى ، وعرفتم ديموميتى ، لا تقنطوا من رحمتي . قال بعضهم : النداء على عشرين وجها : خمس من اللّه في الدنيا ، وخمس للآدميين في الدنيا ، وخمس من الملائكة في الدنيا ، وخمس من الملائكة في الآخرة .
--> ( 1 ) الفرقان : 75 ( 2 ) النازعات : 40