جلال الدين السيوطي
73
معترك الاقران في اعجاز القرآن
والمعاد التي جمعها قوله صلى اللّه عليه وسلم : اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمرى ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشى ، وأصلح لي آخرتى التي إليها معادى . وفي كل صلاح إقدام وإحجام ؛ فتصير الجوامع الثلاثة ستة هي حروف القرآن الستة ، ثم وهب حرفا جامعا شائعا فردا لا زوج له ، فتمت سبعة . فأدنى تلك الحروف هو صلاح الدنيا ، فلها حرفان : حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه ، لبعده عن تقويمها . والثاني حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته تقويمها ؛ وأصل هذين الحرفين في التوراة ، وتمامهما في القرآن . وبلى ذلك حرفا صلاح المعاد : أحدهما حرف الزجر والنهى الذي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهر منه لبعده عن حسناها « 1 » ، والثاني حرف الأمر الذي لا تصلح الآخرة إلا عليه لتقاضيه لحسناها « 1 » ؛ وأصل هذين الحرفين في الإنجيل وتمامهما في القرآن . وبلى ذلك حرفا صلاح الدين : أحدهما حرف المحكم الذي بان للعبد فيه خطاب ربه . والثاني حرف المتشابه الذي لا يتبين للعبد فيه خطاب ربه من جهة قصور عقله عن إدراكه ؛ فالحروف [ 14 ب ] الخمسة للاستعمال . هذا الحرف السادس للوقوف والاعتراف بالعجز ؛ وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلهما ، وتمامهما في القرآن . ويختص القرآن بالحرف السابع ؛ وهو حرف المثل المبين للمثل الأعلى . ولما كان هذا الحرف هو الحمد افتتح اللّه به القرآن ، وجمع فيه جوامع الحروف السبعة التي بها في القرآن ؛ فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد الشائع ، والثانية تشتمل على حرفى الحلال والحرام اللذين أقامت الرحمانية بهما الدنيا والرحيمية الآخرة .
--> ( 1 ) في الإتقان : حسناتها .