جلال الدين السيوطي

60

معترك الاقران في اعجاز القرآن

ويقرب من الاستطراد حتى لا يكادان « 1 » يفترقان حسن التخلص ؛ وهو أن ينتقل مما ابتدأ به الكلام إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاسا دقيق المعنى ، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثاني لشدة الالتئام بينهما . وقد غلط أبو العلاء محمد بن غانم في قوله : لم يقع منه في القرآن شئ لما فيه من التكلف ؛ وقال : إن القرآن إنما وقع ردا على الاقتضاب الذي هو طريق العرب من الانتقال إلى غير ملائم . [ التخلص ] وليس كما قال ؛ ففيه من التخلصات العجيبة ما يحيّر العقول . وانظر إلى سورة الأعراف كيف ذكر فيها الأنبياء والقرون الماضية والأمم السالفة ، ثم ذكر موسى إلى أن قص حكاية السبعين رجلا ودعائه لهم ولسائر أمته بقوله « 2 » : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة » ، وجوابه تعالى عنه ، ثم تخلص بمناقب سيد المرسلين بعد تخلصه بقوله لأمته « 2 » : « قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ » من صفاتهم كيت وكيت ، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمى ؛ وأخذ في صفاته الكريمة وفضائله . وفي سورة الشعراء حكى قول إبراهيم « 4 » : « وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ » . فتخلص منه إلى وصف المعاد بقوله : « يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ . . . » الخ . وفي سورة الكهف حكى سدّ « ذو القرنين » بقوله « 5 » : « فَإِذا جاءَ وَعْدُ

--> ( 1 ) في ا : لا يكاد يفترقان . ( 2 ) الأعراف : 106 . ( 4 ) الشعراء : 87 . ( 5 ) الكهف : 98 .