زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
79
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
إن قلت : كيف يكون قتل الواحد كقتل الكلّ ، مع أن الجناية إذا تعدّدت كانت أقبح ؟ ! قلت : تشبيه أحد الشيئين بالآخر ، لا يقتضي تساويهما من كلّ وجه ، ولأن المقصود من ذلك المبالغة ، في تعظيم أمر القتل العمد العدوان . أو لأن المعنى : من قتل نفسا بغير حقّ كان جميع النّاس خصومه في الآخرة مطلقا ، وفي الدّنيا إن لم يكن له وليّ . أو المعنى : من قتل نبيا ، أو إماما عادلا ، كان كمن قتل النّاس جميعا ، من حيث إبطال المنفعة عن الكلّ . 24 - قوله تعالى : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [ المائدة : 47 ] الآية . إن قلت : كيف قال ذلك ، مع أن الإنجيل منسوخ بالقرآن ؟ ! قلت : معناه : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه بما لم ينسخ بالقرآن . أو المعنى : لمّا أنزلنا الإنجيل قلنا : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه . 25 - قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [ المائدة : 44 ] . كرّره ثلاث مرات ، وختم الأولى بقوله : الْكافِرُونَ والثانية بقوله : الظَّالِمُونَ والثالثة بقوله : الْفاسِقُونَ ! ! قيل : لأنّ الأولى في حكّام المسلمين ، والثانية في حكّام اليهود ، والثالثة في حكّام النصارى . وقيل : كلّها بمعنى واحد وهو الكفر عبّر عنه بألفاظ مختلفة ، لزيادة الفائدة ، واجتناب التّكرار . وقيل : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إنكارا له فهو كافر ، ومن لم يحكم بالحقّ ، مع اعتقاده للحقّ ، وحكم بضدّه فهو ظالم ، ومن لم يحكم بالحقّ جهلا وحكم بضدّه فهو فاسق . وقيل : ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فهو كافر بنعمة اللّه ، ظالم في حكمه ، فاسق في فعله .