زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

76

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

11 - قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ النساء : 15 ] الآية . إن قلت : لم عفا ، أي ترك كثيرا ممّا أخفوه من كتابهم ، مع أنه مأمور ببيانه ؟ قلت : إنما لم يبيّنه لأنه لم يؤمر ببيانه ، أو لأن المأمور ببيانه ما يكون فيه إظهار حكم شرعيّ ، كصفته ، وبعثته ، والبشارة به ، وآية الرجم ، دون ما لم يكن فيه ذلك ممّا فيه افتضاحهم ، وهتك أستارهم فيعفو عنه . 12 - قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ [ النساء : 16 ] . إن قلت : كيف قال ذلك ، مع أن العبد ما لم يهده اللّه لا يتّبع رضوانه فيلزم الدّور ؟ قلت : فيه إضمار تقديره : يهدي به اللّه من علم أنه يريد أن يتّبع رضوانه ، كما قال : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ المائدة : 5 ] أي : والّذين أرادوا سبيل المجاهدة لنهدينهم سبيل مجاهدتنا . 13 - قوله تعالى : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ النساء : 18 ] . فإن قلت : لم كرّرها وختم الأولى بقوله : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والثانية بقوله : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ؟ قلت : لأنّ الأولى نزلت في النّصارى ، حين قالوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فردّ اللّه عليهم بقوله : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تنبيها على أنه مالك لعيسى وغيره ، وأنه قادر على إهلاكه وإهلاك غيره . والثانية : في اليهود والنّصارى ، حين قالوا : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فردّ اللّه تعالى بقوله : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ آل عمران : 189 ] تنبيها على أن الجميع مملوكون له ومصيرهم إليه ، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، ولو كان " عيسى " ابنه لم يملكه ولم يعذبه ، إذ الأب لا يملك ابنه ولا يعذّبه . 14 - قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] الآية . فإن قلت : كيف أخبر اللّه عنهم أنّهم قالوا : نحن أبناء اللّه ، مع أنه لم يعرف