زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
6
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
وإذا تأملنا ما قاله في هذا الصدد الإمام الزركشي نجده أصاب كبد الحقيقة والمسألة ، وقد تكلم بكلام قيّم عظيم في كتابه البرهان ، فقد قسم علوم القرآن إلى سبعة وأربعين نوعا ، وجعل النوع الثامن عشر : لمعرفة الغريب ، وقال : " هو معرفة المدلول ، وذكر طائفة من الذين ألفوا وصنفوا فيه ( أي الغريب ) ، وذكر من أحسنها كتاب : " المفردات " للراغب الأصفهاني ، وهو يتصيد المعاني من السياق ؛ لأن مدلولات الألفاظ خاصة ، ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة ، اسما وفعلا وحرفا ؛ فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها ، فيؤخذ ذلك من كتبهم ، وأما الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة « 1 » . وقد ذكر صاحب اللسان في تعريفه للغريب ، كلاما موجزا وهو قريب الشبه جدا من كلام الخطابي حيث قال : " والغريب الغامض من الكلام ، وكلمة غريبة وقد غربت وهو من ذلك " « 2 » . وبعد هذه العجالة السريعة أعتقد أن تعريف الزركشي للغريب هو أشملها وأدقها ، وإني أميل إليه . غريب القرآن وأهميته : لا ريب أن معرفة الغريب في القرآن الكريم هي اللبنة الأولى في فهم كلام اللّه تعالى ، وهي من أول ما يستعين به المفسر في التفسير والتأويل ، ولقد نبه العلماء إلى وجوب معرفة وتعلم هذا الفن ووجوهه المختلفة . يقول الزركشي : " ومعرفة هذا الفن للمفسر ضرورية ، وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب اللّه تعالى . قال يحيى بن نضلة المديني : سمعت مالك بن أنس يقول : لا أوتى برجل يفسر كتاب اللّه غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا . وقال مجاهد : لا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب اللّه إذا لم يكن عالما بلغات العرب " . وينبغي العناية بتدبر الألفاظ كي لا يقع الخطأ كما وقع لجماعة من الكبار ، وهذا الباب عظيم الخطر ، ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن ، وتركوا
--> ( 1 ) البرهان في علوم القرآن ، للزركشي : 1 / 292 ، 291 بتصرف . ( 2 ) لسان العرب ، لابن منظور : 5 / 326 ، طبعة دار المعارف .