زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
53
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
فلمّا خاب ظنّها استحيت حيث لم يقبل نذرها فقالت ذلك معتذرة أنها لا تصلح لما يصلح له الذّكر من خدمة المسجد ، فمنّ اللّه عليها بتخصيص " مريم " بقبولها في النذر ، دون غيرها من الإناث فقال : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ . 14 - قوله تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى . إن قلت : كيف نادت الملائكة زكريا وهو قائم يصلي ، وأجابها وهو في الصلاة ؟ قلت : المراد بالصلاة هنا : الدّعاء كقوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ [ الإسراء : 110 ] . فإن قلت : لم خصّ " يحيى " عليه السلام بقوله : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ مع أن كل واحد من المؤمنين ، مصدّق بجميع كلمات اللّه تعالى ؟ قلت : لأن معناه مصدّقا ب " عيسى " الذي كان وجوده بكلمة من اللّه تعالى ، وهو قوله : كن من غير أب في الوجود أو المرتبة ، وكان تصديق يحيى لعيسى أصدق من تصديق كل أحد به . 15 - قوله تعالى : قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ . قدّم هنا ذكر الْكِبَرُ على ذكر المرأة ، وعكس في " مريم " لأن الذّكر مقدّم على الأنثى ، فقدّم كبره هنا وأخرّ ثمّ لتتوافق الفواصل في " عتيّا ، وسويّا ، وعشيّا ، وصبيّا " وغيرها . فإن قلت : كيف استبعد زكريا ذلك ، ولم يكن شاكا في قدرة اللّه تعالى عليه ؟ قلت : إنما قال ذلك تعجبا من قدرة اللّه تعالى ، لا استبعادا . 16 - قوله تعالى : قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ . قال في حقّ زكريا : يَفْعَلُ وفي حقّ مريم بعد يَخْلُقُ ، مع اشتراكهما في بشارتهما بولد لأن استبعاد زكريا لم يكن لأمر خارق ، بل نادر بعيد فحسن التعبير ب يَفْعَلُ . واستبعاد مريم كان لأمر خارق ، فكان ذكر " الخلق " أنسب . إن قلت : ما الجمع بين قوله هنا : ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وقوله في مريم ثَلاثَ لَيالٍ ؟