زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

35

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

ذكرها مع أنّ مضمونها معلوم لكل مميّز ، للتنبيه على عظم العصيان واجتنابه ، كما أنّ قوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ذكر مع أنه معلوم ، للتنبيه على أن الكفر ممّا يعود بسوء العاقبة عليهم ، وكرّرها مبالغة في النصح ، أو لأن " الأمّة " في الأولى للأنبياء ، وفي الثانية لأسلاف اليهود والنصارى . أو لأن الخطاب في الأولى لهم ، وفي الثانية لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم . 59 - قوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها . إن قلت : كيف قال : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ وهو لم يزل عالما بذلك ؟ قلت : هذا ونحوه باعتبار التعلّق ، والمعنى : ليتعلّق علمنا به موجودا ، أو المعنى : ليعلم رسولنا والمؤمنون ، لأنهم أخصّاؤه . أو لتميّز الثابت عن المتزلزل ، كقوله : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ الأنفال : 37 ] . 60 - قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ . كانَ للماضي وهو هنا للحال ، وتأتي في القرآن لخمسة معان : أ - للحال ، ومنه : إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [ النساء : 103 ] ، و وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [ الأحزاب : 9 ] . ب - وللماضي المنقطع ، ومنه : وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ [ النمل : 48 ] . وهو الأصل في معانيها . ج - وللاستقبال ومنه : يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً [ الإنسان : 7 ] . د - وللدوام ومنه : وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [ الأحزاب : 51 ] . ه - وبمعنى صار ، ومنه : كانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ ص : 74 ] . 61 - قوله تعالى : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها . فإن قلت : هذا يقتضي عدم رضا النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالتوجه إلى بيت المقدس ، مع أن التوجه إليه كان بأمر اللّه ؟ قلت : المراد بالرضا هنا رضا المحبة بالطبع ، لا رضا التسليم والانقياد لأمر اللّه . 62 - قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كرّر ثلاث مرات ، لأن الأول في المسجد الحرام ، والثاني خارجه ، والثالث خارج البلد ، وعليها ينزل قوله قبل كلّ منها : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ .