زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
3
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
المقدمة بسم اللّه الرّحمن الرحيم اعتنى السلف الصالح بالقرآن عناية بالغة منذ صدور الإسلام ، ومن العلوم التي أولوها عناية خاصة معرفة غريب القرآن ، وهذا الباب عظيم الخطر ؛ لذا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن ، وتركوا القول فيه حذرا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد ، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين ، وكان الأصمعي وهو إمام اللغة لا يفسر شيئا من غريب القرآن . وليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شيء من كلام اللّه ، ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها ، فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر ، وهذا أبو بكر وعمر - رضي اللّه عنهما - من أفصح قريش ، سئل أبو بكر عن ( الأبّ ) فقال أبو بكر : " أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إذا قلت في كلام اللّه ما لا أعلم ! " ، وقرأ عمر سورة ( عبس ) فلما بلغ ( الأبّ ) قال : " الفاكهة قد عرفناها ، فما الأب ؟ ثم قال : لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف " . وهذا الفن ضروري للمفسر ، وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب اللّه تعالى ، قال يحيى بن نضلة المديني : سمعت مالك بن أنس يقول : لا أوتي برجل يفسر كتاب اللّه غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا . وقال مجاهد : لا يحل لأحد يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب اللّه إذا لم يكن عالما بلغات العرب . ويحتاج الكاشف عن غريب القرآن إلى معرفة علم اللغة ، وإلى الدراية الواسعة بكلام العرب شعره ونثره ، روى عكرمة عن ابن عباس قال : إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في الشعر ؛ فإن الشعر ديوان العرب . ومسائل نافع بن الأزرق لابن عباس عن مواضع من القرآن واستشهاد ابن عباس في كل جواب ببيت معروف مشهور ، وعليه فإن معنى الغريب هو : معرفة مدلول اللفظ وتصيد المعاني من السياق ؛ لأن مدلولات الألفاظ خاصة ! وقد صنف فيه جماعة ؛ منهم أبو عبيدة كتاب ( المجاز ) ، وأبو عمر غلام ثعلب ( ياقوتة الصراط )