زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

24

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

مِثْلُها [ الشورى : 40 ] والمعني أن اللّه يجازيهم جزاء استهزائهم . 9 - قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ . إن قلت : ما فائدة قوله : مِنَ السَّماءِ مع أن الصيّب لا يكون إلا منها ؟ قلت : فائدته أنه عرّف السماء ، وأضاف الصيّب إليها ، ليدلّ على أنه من جميع آفاق السّماء ، لا من أفق واحد ، إذ كلّ أفق يسمّى سماء . ونظير ذلك قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 38 ] . 10 - قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ . عبّر بالأصابع عن أناملها ، والمراد بعضها لأنهم إنما جعلوا بعض أناملها . 11 - قوله تعالى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي : أنه لا أنداد له . فإن قلت : المشركون لم يكونوا عالمين بذلك ، بل كانوا يعتقدون أنّ له أندادا ؟ قلت : المراد : وأنتم تعلمون أن الأنداد لا تقدر على شيء مّما مرّ قبل ذلك ، أو وأنتم تعلمون أنه ليس في التوراة والإنجيل جواز اتخاذ الأنداد . 12 - قوله تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . إن قلت : لم ذكرت مِنْ هنا ، وحذفت في سورتي يونس وهود ؟ . قلت : لأن مِنْ هنا للتّبعيض ، أو للتّبيين ، أو زائدة على قول الأخفش ، بتقدير رجوع الضمير في " مثله " إلى " ما " في قوله : مِمَّا أَنْزَلْنا [ يونس : 94 ] وهو الأوجه . والمعنى على الأخير : فأتوا بمماثلة للقرآن ، في البلاغة وحسن النّظم ، وعلى الأوّلين : فأتوا بمما هو على صفته في البلاغة ، وحسن النّظم ، وحينئذ فكأنه منه ، فحسن الإتيان ب مِنْ الدالة على ما ذكر . بخلاف ذاك ، فإنه قد وصف السور بالافتراء ، صريحا في هود ، وإشارة في يونس ، فلم يحسن الإتيان ب مِنْ الدالّة على ما ذكر ، لأنها حينئذ تشعر بأنّ ما بعدها من جنس ما قبلها ، فيلزم أن يكون قرآنا وهو محال . ويجوز جعل مِنْ للابتداء ، بتقدير رجوع الضمير في " مثله " إلى عبدنا أي : " محمد " ، والمعنى : فأتوا بمبتدأة من شخص مثل محمد .