زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

140

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

قلت : التبعيض صحيح لأنّ أهل القيامة ثلاثة أقسام : أ - قسم شقيّ ، وهم أهل النّار . ب - وقسم سعيد ، وهم أهل الجنّة . ج - وقسم لا شقيّ ولا سعيد ، وهم أهل الأعراف ، وإن كان مصيرهم إلى الجنة ، كما قاله قتادة وغيره . 22 - قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . . [ هود : 108 ] الآية . إن قلت : كيف قال ذلك ، مع أنّ السماوات والأرض يفنيان ، وذلك ينافي الخلود الدائم ؟ ! قلت : هذا خرج مخرج الألفاظ ، التي يعبّر العرب فيها عن إرادة الدّوام ، دون التأقيت ، كقولهم : لا أفعل هذا ما اختلف الليل ، وما دامت السماوات والأرض ، يريد لا يفعله أبدا . أو أنهم خوطبوا على معتقدهم أنّ السماوات والأرض لا يفنيان . أو أن المراد سماوات الآخرة وأرضها ، قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] وتلك دائمة لا تفنى . إن قلت : إذا كان المراد بما ذكر الخلود الدائم ، فما معنى الاستثناء في قوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ؟ قلت : هو استثناء من الخلود في عذاب أهل النار ، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة ، لأن أهل النّار لا يخلّدون في عذابها وحده ، بل يعذّبون بالزمهرير ، وبأنواع أخر من العذاب ، وبما هو أشدّ من ذلك ، وهو سخط اللّه عليهم . وأهل الجنة لا يخلّدون في نعيمها وحده ، بل ينعّمون بالرضوان ، والنظر إلى وجهه الكريم ، وغير ذلك ، كما دلّ عليه قوله تعالى : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ . أو " إلّا " بمعنى غير ، أي خالدين فيها ما دامت السّموات والأرض ، غير ما شاء اللّه من الزيادة عليهما ، إلى ما لا نهاية له . أو " إلّا " بمعنى الواو ، كقوله تعالى : إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [ النمل : 10 ] .