زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

136

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

فكيف قال هنا فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ؟ ! قلت : قيل : نزلت سورة هود أولا ، لكن أنكره المبّرد وقال : بل سورة يونس أولا ، قال : ومعنى قوله في سورة يونس : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ أي في الإخبار عن الغيب ، والأحكام ، والوعد والوعيد ، فعجزوا ، فقال لهم في سورة هود : إن عجزتم عن ذلك ، فأتوا بعشر سور مثله في البلاغة ، لا في غيره مما ذكر ، وما قاله هو المتّجه . هذا وتحرير الأول ، مع زيادة أن يقال : إنّ الإعجاز وقع أولا بالتحدّي بكل القرآن في آية : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ [ الإسراء : 88 ] فلمّا عجزوا تحدّاهم - بعشر سور ، فلما عجزوا تحدّاهم بسورة ، فلما عجزوا تحدّاهم - بدونها بقوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [ الطور : 34 ] . 6 - قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ [ هود : 23 ] . قال ذلك هنا ، وقال في النّحل : هُمُ الْخاسِرُونَ لأنّ ما هنا نزل في قوم صدّوا عن سبيل اللّه ، وصدّوا غيرهم ، فضلّوا وأضلّوا . وما هناك نزل في قوم صدّوا عن سبيل اللّه ، فناسب في الأول : الْأَخْسَرُونَ وفي الثاني : الْخاسِرُونَ . 7 - قوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ . . [ هود : 28 ] . قال هنا بتقديم رَحْمَةً على الجارّ والمجرور ، وعكس بعد في قوله : وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً وفي قوله : وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ليوافق كلّ منهما ما قبله ، إذ الأفعال المتقدمة هنا وهي : " ترى ، نرى ، ونظنّ " لم يفصل بينهما وبين مفاعليها جارّ ومجرور ، والفعل المتقدّم بعد ، وهو " كان " في الثاني و " نفعل " في الثالث ، فصل بينه وبين مفعوله جارّ ومجرور ، إذ خبر " كان " كالمفعول . فإن قلت : لم قال في الأوّلين : وَآتانِي وفي الثالث : وَرَزَقَنِي ؟ ! قلت : لأنّ الثالث تقدّمه ذكر الأموال ، وتأخرّ عنه قوله : رِزْقاً حَسَناً وهما خاصّان ، فناسبهما قوله : وَرَزَقَنِي بخلاف الأوّلين فإنه تقدّمهما أمور عامة ، فناسبها قوله : وَآتانِي . 8 - قوله تعالى : وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ . . [ هود : 29 ] .