زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
128
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
إن قلت : ما فائدة قوله : بِغَيْرِ الْحَقِّ بعد قوله : يَبْغُونَ مع أن البغي - وهو الفساد من قولهم : بغى الجرح أي فسد - لا يكون إلّا بغير حقّ ؟ قلت : قد يكون الفساد بحقّ ، كاستيلاء المسلمين على أرض الكفار ، وهدم دورهم ، وإحراق زرعهم ، وقطع أشجارهم ، كما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلّم ببني قريظة . 7 - قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ . . [ يونس : 24 ] الآية . إن قلت : لم شبّه الحياة الدنيا بماء السّماء ، دون ماء الأرض ؟ قلت : لأنّ ماء السّماء - وهو المطر - لا تأثير لكسب العبد فيه ، بزيادة أو نقص ، أو لأنّه يستوي فيه جميع الخلائق ، بخلاف ماء الأرض فيهما ، فكان تشبيه الحياة به أنسب . 8 - قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إلى قوله : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [ يونس : 31 ] . إن قلت : هذا يدلّ على أنهم معترفون بأنّ اللّه هو الخالق ، الرازق ، المدبّر ، فكيف عبدوا الأصنام ؟ ! قلت : كلّهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام ، عبادة اللّه تعالى ، والتقرّب إليه ، لكن بطرق مختلفة . ففرقة قالت : ليست لنا أهليّة لعبادة اللّه تعالى ، بلا واسطة لعظمته ، فعبدناها لتقرّبنا إليه تعالى ، كما قال حكاية عنهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] . وفرقة قالت : الملائكة ذوو جاه ومترلة عند اللّه ، فاتّخذنا أصناما على هيئة الملائكة ، ليقرّبونا إلى اللّه . وفرقة قالت : جعلنا الأصنام قبلة لنا في عبادة اللّه تعالى ، كما أنّ الكعبة قبلة في عبادته . وفرقة اعتقدت أنّ على كل صنم شيطانا ، موكّلا بأمر اللّه ، فمن عبد الصّنم حقّ عبادته ، قضى الشيطان حوائجه بأمر اللّه ، وإلّا أصابه الشيطان بنكبة بأمر اللّه . 9 - قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . . [ يونس : 34 ] الآية .