زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
120
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
يُجاهِدُوا . . [ التوبة : 44 ] . أي لا يستأذنوك في التخلّف عن الجهاد . إن قلت : كيف قال ذلك ، مع أن كثيرا من المؤمنين ، استأذنوه في ذلك لعذر ، أخذا من قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [ التوبة : 62 ] . قلت : لا منافاة ، لأن ذلك نفي بمعنى النهي كقوله تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ . أو هو منسوخ كما قال ابن عباس بقوله : لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ . أو المراد : أنهم لا يستأذنوه في ذلك لغير عذر . 12 - قوله تعالى : وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [ التوبة : 46 ] . إن قلت : كيف أمرهم بالقعود عن الجهاد ، مع أنه ذمّهم عليه ؟ قلت : إنما أمرهم بذلك أمر توبيخ ، كقوله تعالى : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] بقرينة قوله : مَعَ الْقاعِدِينَ أي من النّساء ، والصّبيان ، والزّمنى ، الذين شأنهم القعود في البيوت . أو الآمر لهم إنما هو الشيطان بالوسوسة ، أو بعضهم بعضا . 13 - قوله تعالى : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ . . [ التوبة : 47 ] . فإن قلت : إذا علم اللّه أن المنافقين ، لو خرجوا مع المؤمنين للجهاد ، ما زادوهم إلّا خبالا أي فسادا ، ولأوضعوا خلالهم أي لأسرعوا في السّعي بينهم بالنميمة ، فكيف أمرهم بالخروج مع المؤمنين . قلت : أمرهم بالخروج لإلزامهم الحجّة ، ولإظهار نفاقهم . 14 - قوله تعالى : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ [ التوبة : 53 ] . أي كافرين ولو بالنفاق ، بقرينة قوله : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [ التوبة : 54 ] .