جلال الدين السيوطي
98
الاكليل في استنباط التنزيل
ففيه دية مسلّمة إلى أهله مع الكفارة ، ففيه رد على من قال لا كفارة في قتل الذمي والذين قالوا ذلك قالوا إن الآية في المؤمن الذي أهله أهل عهد وقالوا إنهم أحق بديته لأجل عهدهم ويرده تفسير ابن عباس السابق وأنه تعالى لم يقل فيه وهو مؤمن كما قال في الذي قبله واستدل أبو حنيفة بالآية على أن دية المسلم والذمي سواء يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا لأنه تعالى ذكر في كل منهما الكفارة والدّية ، فوجب أن تكون ديتهما سواء ، كما أن الكفارة عنهما سواء . وفي الآية أن الكفارة عتق رقبة مؤمنة فاستدل بها على عدم إجزاء كافرة لمن أجاز عتق كتابي أو مجوسي كبير أو صغير وعلى عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى وعلى إجزاء عتق ولد الزنا لدخوله في مسمّى الرقبة ، وفيها أن فاقد الرقبة ينتقل إلى صوم شهرين متتابعين يكفر به ، أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير في قوله : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [ رقبة ] « 1 » فَصِيامُ شَهْرَيْنِ وأخرج عن مجاهد قال فمن لم يجد دية أو عتاقة فصيام فاستدل بهذا من قال إن الصوم على فاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما . قال ابن جرير : والصواب الأول ؛ لأن الدية في الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله ، واستدل بالاقتصار على الرقبة والصوم من قال : إنه لا إطعام في هذه الكفارة ، ومن قال ينتقل إليه عند العجز عن الصوم قاسه على الظهار واستدل بذكر الكفارة في الخطأ دون العمد من قال إنه لا كفارة في العمد والشافعي قال : هو أولى بها من الخطأ . 93 - قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية ، فيه تغليظ قتل المؤمن وتعظيم شأنه واستدل بها ابن عباس ، وأبو هريرة وغيرهما على أن قاتل المؤمن لا توبة له ، واستدل بها بعض الناس على خلوده في النار . « تنبيه » : ذكر اللّه تعالى قتل الخطأ والعمد ولم يذكر معهما ثالثا فاستدل به من قال إنه لا واسطة بينهما ونفي القتل المسمى شبه العمد . 94 - قوله تعالى : إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية « 2 » ، استدل بظاهرها على قبول توبة الزنديق إذا أظهر الاستسلام لأنه لم يفرق بين الزنديق وغيره وعلى أن الكافر يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي اعتقاده على قراءة السّلام وفي الآية وجوب التثبّت في الأمور خصوصا القتل ووجوب الدعوة قبل القتال .
--> ( 1 ) هذه زيادة تفسيرية . وليست من النص القرآني . ( 2 ) شاهده على ما استنبط منها ، قول اللّه تعالى : فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً . . .