جلال الدين السيوطي
78
الاكليل في استنباط التنزيل
الصدقات عوضا من البضع لأنه تعالى سماه نحلة والنحلة ما لم يعوض عليه ، فهي نحلة للزوجات لا عوض عن الاستمتاع لأن كلّا منهما يستمتع بصاحبه ولذلك لم يفتقر عقد النكاح إلى تسمية مهر ، ولهذا استحب بعضهم أن يكتب في الصدقات - عوض هذا ما أصدق فلان - هذا ما نحل فلان . قوله تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ ، فيه جواز هبة الزوجة الصداق للزوج وقبوله ذلك فهو شامل للبكر والثيب ، قال ابن العربي : ورأى شريح أن لها الرجوع محتجا بالآية لأنها متى قامت طالبة له لم تطب به نفسا ، قال وهذا باطل لأنها قد طابت وقد أكل ولا كلام لها بعد ذلك . 5 - قوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ « 1 » الآية ، فيها الحجر على السفيه وأنه لا يمكن من ماله وأنه ينفق عليه منه ويكسى ولا ينفق في التبرعات وأنه يقال له معروف كإن رشدت دفعنا إليك مالك ، وإنما نحتاط لنفعك ، واستدل بعموم الآية من قال بالحجر على السفيه البالغ سواء طرأ عليه أم كان من حين البلوغ ، ومن قال بالحجر على من يخدع في البيوع ومن قال بأن من تصدق على محجوره وشرط أن يترك في يده لا يسمع منه في ذلك ، وفي الآية الحث على حفظ الأموال وعدم تضييعها . 6 - قوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتامى الآية ، فيها وجوب اختبار اليتيم على الولي لنظر حالته في الرشد وخلافه وأن محله قبل البلوغ لا بعده لقوله حتى إذا بلغوا النكاح وأن البلوغ بالاحتلام وأنه إذا آنس منه الرشد عند البلوغ وجب على الولي دفع المال إليه ولا يجوز له إمساكه واستدل به على ارتفاع الحجر بمجرد البلوغ رشيدا ولا يحتاج إلى فك الحاكم لأنه جعل الرفع لمن إليه الابتلاء ، وهو الذي إليه النظر في أمره وفسر سعيد ابن جبير الرّشد بالصلاح في الدين والحفظ في الأموال ، أخرجه ابن أبي حاتم . قال ابن الفرس : واستدل بعضهم بالآية على أن الوصي على المحجور إنما له النظر فيما يتعلق بالمال لا بالبدن لأنه تعالى خص الأموال بالذكر دون الأبدان . قوله تعالى : مَنْ كانَ غَنِيًّا الآية ، أخرج البخاري رحمه اللّه تعالى عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : نزلت هذه الآية في ولي اليتيم : مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر قيامه عليه ، ففي الآية تحريم الأكل من ماله على الولي الغني خلافا لمن أجازه بقدر أجرته وجوازه للولي الفقير ولكن بقدر أجرة عمله فيه وقيامه
--> ( 1 ) الشاهد فيها تمام قوله : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ . .