جلال الدين السيوطي
221
الاكليل في استنباط التنزيل
يقتضي أن المغفور في الآية يعني للإشارة بذلك ، فطلبته فوجدته أحد ثلاثة أمور : إما ظنه ، وإما اشتغاله بالحكم عن العبادة ، وإما اشتغاله بالعبادة عن الحكم ، كما أشعر به قوله : فِي الْمِحْرابِ وذلك أنه صح عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أن داود أعبد البشر فكأن داود انقطع ذلك اليوم في المحراب للعبادة الخاصة بينه وبين اللّه فجاءت الخصوم لم يجدوا إليه طريقا فتسوروا إليه وليسوا ملائكة ولا ضرب بهم مثل وإنما هم قوم تخاصموا في نعاج على ظاهر الآية فلما وصلوا إليه حكم بينهم ثم من شدة خوفه وكثرة عبادته خاف أن يكون اللّه امتحنه بذلك إما لاشتغاله عن الحكم بالعبادة ذلك اليوم وإما لاشتغاله عن العبادة بالحكم تلك اللحظة فظن أن اللّه فتنه أي امتحنه واختبره هل يترك الحكم للعبادة أو العبادة للحكم ، فاستغفر ربه ، فاستغفاره لأحد هذين الأمرين واحتمل ثالثا وهو ظنه : وإن يكن اللّه لم يرد فتنته وإنما أراد إظهار كرامته ، وانظر قوله : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ كيف يقتضي رفعة قدره وقوله : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً يقتضي ذلك ويقتضي ترجيح الحكم على العبادة وعلى أي وجه من الأوجه الثلاثة حملته حصل تنزيه داود عليه السّلام مما يقوله القصاص ، انتهى . قلت والقصة التي يحكونها في شأن المرأة وأنها أعجبته وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل أخرجها أبن أبي حاتم من حديث أنس مرفوعا ، وفي إسناده ابن لهيعة وحاله معروف عن أبي صخر عن يزيد الرقاشي ، وأخرجها من حديث أبن عباس موقوفا وقال ابن الفرس : في هذه القصة دليل على جواز القضاء في المسجد والتلطف في رد الإنسان عن مكروه صنعه وأن لا يؤخذ بالعنف ما أمكن وجواز المعاريض من القول « 1 » . 23 - قوله تعالى : إِنَّ هذا أَخِي قال ابن مسعود أي على ديني ، أخرجه ابن أبي حاتم ، ففيه جواز إطلاق الأخ على غير المناسب . 24 - قوله تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ استدل به على جواز الشركة . قوله تعالى : وَخَرَّ راكِعاً استدل به من أجاز التعويض عن سجود التلاوة بركوع . 26 - قوله تعالى : يا داوُدُ الآية ، قال الكيا : فيه بيان وجوب الحكم بالحق وأن لا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء أو نسب يقتضي الميل ، واستدل به بعضهم على
--> ( 1 ) الحق الذي لا مرية فيه أن داود عليه السّلام بريء من كل ما نسبه إليه القصاصون ، نقلا عن المرويات الإسرائيلية التي تقطر سفها وجهلا بمقام الأنبياء . وقد حققنا في هذه القصة وغيرها من الإسرائيليات ، وتتبعناها بالنقد والتمحيص جميعا في تحقيقنا لتفسير ( الجلالين ، ) وجعلنا ذلك بحثا ملحقا بالتفسير فليراجعه من شاء .