الخطيب الشربيني
9
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن فعل لم يدلّ عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين . تنبيه : اختلف في إعراب هذه الآية على أوجه : أحدها : أن مَثَلُ مبتدأ وخبره مقدّر . قدره النضر بن شميل : مثل الجنة ما تسمعون . فما تسمعون خبره و فِيها أَنْهارٌ مفسر له . وقدّره سيبويه : فيما يتلى عليكم مثل الجنة . والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل . ثانيها : أن مَثَلُ زائدة تقديره : الجنة التي وعد المتقون فِيها أَنْهارٌ ونظير زيادة مَثَلُ هنا زيادة اسم في قول القائل « 1 » : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ثالثها : أنّ مثل الجنة مبتدأ ، والخبر : قوله تعالى كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ فقدّره ابن عطية : أمثل أهل الجنة كمن هو خالد فقدر حرف الإنكار ومضافا ليصح وقدّره الزمخشريّ : أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد . والجملة من قوله تعالى فِيها أَنْهارٌ حال من الجنة أي : مستقرّة فيها أنهار مِنْ ماءٍ ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم ، مع اتحاد الأرض ببساطها ، وشدّة اتصالها ، للدلالة على أنّ الفاعل ذلك قادر مختار وقد يكون آسنا أي : متغيرا عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقته ، أو من عارض عرض له من منبعه ، أو مجراه قال تعالى : غَيْرِ آسِنٍ أي : ثابت له في وقت ما شيء من الطعم ، أو اللون ، أو الريح بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه بخلاف ماء الدنيا فيتغير لعارض وقرأ ابن كثير : بقصر الهمزة والباقون : بمدّها وهما لغتان وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ ولما كان التغير غير محمود قال تعالى : لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي : بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر بخلاف لبن الدنيا ، لخروجه من الضرع وهذا يفهم : أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير . وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة ، كما كان في الدنيا متنوعا وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ ولما كان الخمر يكره طعمها وإنما يشربها شاربوها لأثرها . وأنه متى تغير طعمها زال اسمها عرّف أنّ كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن ، غير متعرّض لطعم فقال تعالى : لَذَّةٍ أي : لذيذة لِلشَّارِبِينَ في طيب الطعم ، وحسن العاقبة بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطا ، لخروجه من بطون النحل بالشمع ، وغيره من القذى قال تعالى : مُصَفًّى أي : هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك وهذا الوصف ثابت له دائما لا انفكاك له في وقت ما . تنبيه : قال أبو حيان في حكمة ترتيب هذه الأنهار : إنه بدأ بالماء الذي لا تستغني عنه المشروبات ، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من أوقات العرب ، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الريّ والمطعم ، تشوّقت النفس إلى ما تلتذ به ، ثم بالعسل لأنّ فيه الشفاء في الدنيا
--> ( 1 ) عجزه : ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والبيت من الطويل ، وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 214 ، والأغاني 13 / 40 ، وخزانة الأدب 4 / 337 ، 340 ، والخصائص 3 / 29 ، والدرر 5 / 15 ، وشرح المفصل 3 / 14 ، والعقد الفريد 2 / 78 ، 3 / 57 ، ولسان العرب ( عذر ) .