الخطيب الشربيني

720

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فلا يضر ، وليس بمذموم ولا مكروه بل هو مندوب إليه . ولما كان أعظم حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد ، وهو تمني زوال نعمة المحسود للحاسد ، أو غيره قال تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ ، أي : ثابت الاتصاف بالحسد معروف فيه ، وأعظم الحساد الشيطان الذي ليس له دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان بالغفلات ، ثم قيد ذلك بقوله تعالى : إِذا حَسَدَ ، أي : إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود ، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمر فلا ضرر يعود منه على من حسده ، بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره . وعن عمر بن عبد العزيز : لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد ، وفي إشعار الآية ادعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأنّ خير الناس من عاش محسودا ومات محسودا . فإن قيل : لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ؟ أجيب : بأنّ النفاثات عرفت لأنه كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسق لأنّ كل غاسق لا يكون فيه الشر إنما يكون في بعض دون بعض وكذلك كل حاسد لا يضر . وربّ حسد محمود وهو الحسد في الخيرات ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا حسد إلا في اثنتين » « 1 » الحديث . وقال أبو تمام : وما حاسد في المكرمات بحاسد وقال آخر : إن العلا حسن في مثلها الحسد فائدة : قال بعض الحكماء : الحاسد بارز ربه من خمسة أوجه : أولها : أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره . ثانيها : أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول : لم قسمت هذه القسمة . ثالثها : إنه ضاد فعل الله تعالى أن فضل ببره من شاء ، وهو يبخل بفضل الله تعالى . رابعها : أنه خذل أولياء الله تعالى ، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم . خامسها : أنه أعان عدوّ الله إبليس ، والحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة ، ولا ينال في الدنيا إلا جزعا وغما ، ولا ينال في الآخرة إلا حزنا واحتراقا ، ولا ينال من الله تعالى إلا بعدا ومقتا . وروي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم آكل الحرام ، ومكثر الغيبة ، ومن كان في قلبه غلّ أو حسد للمسلمين » « 2 » . وقيل : المراد بالحاسد في الآية اليهود ، فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى اللّه عليه وسلم . فإن قيل : قوله تعالى : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ تعميم في كل ما يستعاذ منه فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد ؟ أجيب : بأنه قد خص شر هؤلاء من كل شر لخفاء أمرهم ، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم ، كأنما يغتال به ، وقالوا : شر العداة المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر وأخرج الإمام أحمد عن الزبير بن العوّام أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ، ألا والبغضاء هي الحالقة » « 3 » . فنسأل الله تعالى أن يحفظنا ومحبينا منه إنه كريم جواد .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 15 ، والزكاة باب 5 ، والأحكام باب 3 ، والتمنّي باب 5 ، والاعتصام باب 13 ، والتوحيد باب 45 ، وأحمد في المسند 2 / 9 ، 36 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 165 ، 167 .