الخطيب الشربيني
711
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
جعله رطبا ليدلّ على التدخين الذي هو زيادة في الشرّ . وقال سعيد بن جبير : حمالة الخطايا والذنوب من قولهم : فلان يحتطب على ظهره قال تعالى : يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [ الأنعام : 31 ] وقرأ عاصم بنصب التاء من حمالة على الشتم ، قال الزمخشري : وأنا أستحب هذه القراءة ، وقد توسل إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من أحب شتم أمّ جميل ا ه . والباقون برفعها على أنها صفة امرأته فإنها مرفوعة باتفاق إما بالعطف على الضمير في سيصلى كما مرّ ، ويكون قوله تعالى : فِي جِيدِها حَبْلٌ حالا من امرأته ، أو على الابتداء ففي جيدها حبل هو الخبر وحبل فاعل به ، ويجوز أن يكون في جيدها خبرا مقدّما وحبل مبتدأ مؤخرا ، والجملة حالية أو خبر ثان . والجيد العنق ويجمع على أجياد . وقوله تعالى : مِنْ مَسَدٍ صفة لحبل والمسد ليف المقل ، وقيل : الليف مطلقا ، وقال أبو عبيد : هو حبل يكون من صوف ، وقال الحسن : هي حبال من شجر ينبت باليمن يسمى المسد ، وكانت تفتله . وقال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا وكانت تعير النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في جيدها من ليف فخنقها الله عز وجل به فأهلكها ، وهو في الآخرة حبل من نار . فإن قيل : إن كان ذلك حبلها فكيف يبقى في النار ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى قادر على تجدده كلما احترق كما يبقي اللحم والعظم أبدا في النار . وعن ابن عباس قال : هو سلسلة ذرعها سبعون ذراعا تدخل فيها وتخرج من أسفلها ، ويلوي سائرها على عنقها . وقال قتادة : هو قلادة من ودع . وقال الحسن : إنما كان خرزا في عنقها . وقال سعيد ابن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت : واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد ، ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة . وقيل : إنّ ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان لما سبق لها من الشقاء كالمربوط في جيده بحبل من مسد والمسد الفتل ، يقال : مسد حبله يمسده مسدا ، أي : أجاد فتله والجمع أمساد . وروي أنها لما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر ، وفي يدها فهر من حجارة تريد أن ترميه به فلما وقفت عليه أخذ الله تعالى بصرها عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر ، فقالت : يا أبا بكر أين صاحبك قد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، والله إني لشاعرة « 1 » : مذمما عصينا * وأمره أبينا ودينه قلينا ثم انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول الله أما ترى ما رأتك قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما رأتني لقد أخذ الله تعالى بصرها عني » وكانت قريش إنما تسمي محمدا صلى اللّه عليه وسلم مذمما ثم يسبونه ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ألا تعجبوا لما صرف الله تعالى عني من أذى قريش يهجون مذمما وأنا محمدا » « 2 » . انظر كيف كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يحمل هذا الأذى ويحلم عليهم فينبغي لغيره أن يكون له به أسوة قال الله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] .
--> ( 1 ) الرجز لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) انظر السيرة النبوية لابن هشام 2 / 201 .