الخطيب الشربيني
700
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فكانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولا إليهم فقال تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، أي : الذي قد حكم بثباتهم على الكفر فلا انفكاك لهم عنه فستروا ما تدلّ عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو جردّوها من أدناس الحظ وهم كفرة مخصوصون ، وهم من حكم بموته على الكفر بما طابقه من الواقع ، ودل عليه التعبير بالوصف دون الفعل ، واستغرق اللام كل من كان على هذا الوصف في كل مكان وكل زمان ، والتعبير بالجمع الذي هو أصل في القلة ، وقد يستعار للكثرة إشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من العرب المخاطبين بهذا في حياته صلى اللّه عليه وسلم وقال الله تعالى له : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] وقال تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آل عمران : 159 ] وقال تعالى : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ آل عمران : 159 ] ثم كان مأمورا بأن يدعوهم إلى الله تعالى بالوجه الأحسن ، فلذا خاطبهم بيا أيها فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق ، فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي . ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه ، وأنه لا يبالي بهم بوجه لأنه محفوظ منهم قال : لا أَعْبُدُ أي : الآن ما تَعْبُدُونَ من دون الله من المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادات في سرّ ولا علن ؛ لأنه لا يصلح للعبادة بوجه . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ أي : الآن ما أَعْبُدُ وهو الله تعالى وحده . وَلا أَنا عابِدٌ ، أي : في الاستقبال ما عَبَدْتُّمْ من دون الله تعالى . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ، أي : في الاستقبال ما أَعْبُدُ وهو الله وحده لا شريك له ، وهذا خطاب لمن علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون . وإطلاق ما على الله تعالى على جهة المقابلة ، وبهذا زال التكرار ووجه التكرار كما قال أكثر أهل المعاني : هو أن القرآن نزل بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم ومن مذاهبهم التكرار لإرادة التأكيد والإفهام ، كما أنّ من مذاهبهم الاختصار لإرادة التخفيف والإيجاز فالقائل بالتأكيد يقول قوله تعالى : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ تأكيد لقوله تعالى : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [ التكاثر : 3 - 4 ] وقوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ثانيا تأكيد لقوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ومثله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 77 ] و وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ المرسلات : 15 ] في سورتيهما و كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 3 - 4 ] وفي الحديث : « فلا إذن ثم لا إذن إنما فاطمة بضعة مني » « 1 » وفائدة التأكيد هنا قطع أطماع الكفار وتحقيق الأخبار وهو إقامتهم على الكفر ، وأنهم لا يسلمون أبدا وعلى الأوّل قد تقيدت كل جملة بزمان غير الزمان الآخر قال ابن عادل : وفيه نظر كيف يقيد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نفي
--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني » ، أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب 12 ، 16 ، 29 ، والنكاح باب 109 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 93 ، 94 ، وأبو داود في النكاح باب 12 ، والترمذي في المناقب باب 60 ، وابن ماجة في النكاح باب 56 ، وأحمد في المسند 4 / 5 ، 326 .