الخطيب الشربيني
670
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الحيات والبوم والضرو والأرنب والثعلب والفرس . ثم اتبع عدوها ما ينشأ عنه فقال تعالى عاطفا بأداة التعقيب : فَالْمُورِياتِ قَدْحاً قال عكرمة والضحاك : هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة لا سيما عند سلوك الأوعار ، وقدحا منصوب بما انتصب به ضبحا . قال الزمخشري : ففيه الثلاثة أوجه المتقدّمة . وعن ابن عباس : أورت بحوافرها غبارا ، وهذا إنما يناسب من فسر العاديات بالإبل . وقال ابن مسعود : هي الإبل تطأ الحصى فتخرج منه النار وأصل القدح : الاستخراج ، ومنه قدحت العين إذا أخرجت منها الماء الفاسد . وعن قتادة وابن عباس أيضا : أنّ الموريات قدحا الرجال في الحرب ، والعرب تقول : إذا أرادوا أنّ الرجل يمكر بصاحبه والله لأمكرنّ بك ثم لأورين لك ، وعن ابن عباس أيضا : هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل لحاجتهم وطعامهم ، وعنه أيضا : إنها نيران المجاهدين إذا كثرت إرهابا ليظنهم العدوّ كثيرا قال القرطبي : وهذه الأقوال مجاز كقولهم : فلان يوري زناد الضلالة والأوّل الحقيقة وأنّ الخيل من شدّة عدوها تقدح النار بحوافرها . وقال مقاتل : تسمى تلك النار نار أبي حباب ، وأبو حباب كان شيخا من مضر في الجاهلية من أبخل الناس ، وكان لا يوقد نار الخبز ولا غيره حتى تنام العيون فيوقد نويرة تقد مرّة وتخمد أخرى ، فإن استيقظ لها أحدا أطفأها كراهة أن ينتفع بها أحد ، فشبهت العرب هذه النار بناره لأنه لا ينتفع بها . ولما ذكر العدو وما يتأثر عنده ذكر نتيجته وغايته بقوله : فَالْمُغِيراتِ أي : بإغارة أهلها وقوله تعالى : صُبْحاً ظرف ، أي : التي تغير وقت الصبح يقال أغار بغير إغارة إذا باغت عدوّه لنهب أو قتل أو أسر ، قال الشاعر « 1 » : فليت لي بهم قوما إذا ركبوا * شنوا الإغارة فرسانا وركبانا وغار لغية . فَأَثَرْنَ أي : فهيجن بِهِ أي : بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدّة العدو نَقْعاً أي : غبار الشدّة حركتهنّ والنقع الغبار . تنبيه : عطف الفعل وهو فأثرن على الاسم لأنه في تأويل الفعل لوقوعه صلة لأل . وقال الزمخشري : معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، لأنّ المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن . فَوَسَطْنَ بِهِ أي : بذلك النقع أو العدو أو الوقت جَمْعاً من العدوّ ، أي : صرن وسط العدو وهو الكتيبة ، يقال : وسطت القوم بالتخفيف ووسطتهم بالتشديد ، وتوسطتهم بمعنى واحد . وقال القرطبي : يعني جمع منى وهو مزدلفة ، فوجه القسم على هذا أنّ الله تعالى أقسم بالإبل لما فيها من المنافع الكثيرة وتعريضه بإبل الحج للترغيب فيه ، وفيه تعريض على من لم يحج بعد القدرة عليه كما في قوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ [ البقرة : 126 ] أي : من لم يحج فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 97 ] .
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لقريط بن أنيف في خزانة الأدب 6 / 253 ، والدرر 3 / 80 ، وشرح شواهد المغني 1 / 69 ، والمقاصد النحوية 3 / 72 ، 277 ، وللعنبري في لسان العرب ( ركب ) ، وللحماسي في همع الهوامع 2 / 21 ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 40 ، وجواهر الأدب ص 47 ، وشرح ابن عقيل ص 295 ، 361 .