الخطيب الشربيني
665
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
سورة الزلزلة مدنية ، في قول ابن عباس وقتادة ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر وهي ثمان آيات وخمس وثلاثون كلمة ومائة وتسع وأربعون حرفا . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ المحيط بكل شيء قدرة وعلما الرَّحْمنِ الذي عمّ الخلق بنعمته الظاهرة قسما الرَّحِيمِ الذي أتم النعمة على خواصه حقيقة عينا واسما . ولما قال تعالى : للمؤمنين جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ كأنّ المكلف قال : متى يكون ذلك فقيل : له : [ سورة الزلزلة ( 99 ) : الآيات 1 إلى 8 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ( 1 ) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ( 3 ) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ( 5 ) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ( 6 ) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أي : تحرّكت واضطربت لقيام الساعة ، فالعاملون كلهم يكونون في الخوف وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك وتكون آمنا لقوله تعالى : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [ النمل : 89 ] . زِلْزالَها أي : تحريكها الشديد المناسب لعظم جرم الأرض وعظمة ذلك كما تقول : أكرم التقي إكرامه ، وأهان الفاسق إهانته تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة . ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أي : كلها ، ولم يضمر تحقيقا للعموم أَثْقالَها أي : مما هو مدفون فيها من الكنوز والأموات . قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها . وقال ابن عباس ومجاهد : أثقالها أمواتها تخرجهم في النفخة الثانية ، ومنه قيل للجنّ والإنس : الثقلان . وقيل : أثقالها كنوزها ، ومنه الحديث : « تنفى الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول : في هذا قتلت ، ويجيء القاطع فيقول : في هذا قطعت رحمي ، ويجيء السارق فيقول : في هذا قطعت يدي ، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا » « 1 » فيعطيها الله تعالى قوّة إخراج ذلك كله كما كان يعطيها قوّة أن تخرج النبات الصغير اللطيف الطريّ
--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « تقيء الأرض أفلاذ كبدها . . . » أخرجه بهذا اللفظ مسلم في الزكاة حديث 2 ، 6 ، والترمذي في الفتن حديث 2208 ( باب 36 ) .