الخطيب الشربيني

662

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

محضة ، والباقون بالفتح . ولما كان حال من أضل على علم أشنع زاد في فضيحتهم فقال تعالى : وَما أُمِرُوا أي : هؤلاء في التوراة والإنجيل إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ أي : يوحدوا الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره ، واللام بمعنى أن كقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [ النساء : 26 ] . وقوله تعالى : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فيه دليل على وجوب النية في العبادات لأنّ الإخلاص من عمل القلب ، وهو أن يراد به وجه الله تعالى لا غيره ، ومن ذلك قوله : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [ الزمر : 11 ] . حُنَفاءَ أي : مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، وأصل الحنف في اللغة : الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير ، وسموا الميل إلى الشرّ إلحادا والحنيف المطلق الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين . وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات ، وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح ، وهو مقام التقى ، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأوّل من الورع ، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى ما يعنى وهو المقام الثاني من الورع ، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد ، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر : أحدهما : إلى الحق ، والثاني : إلى الخلق . ولما ذكر أصل الدين أتبعه الفروع ، وبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع التجرّد عن العوائق ، فقال عز من قائل : وَيُقِيمُوا أي : يعدلوا من غير اعوجاج بجميع الشرائط والأركان والحدود الصَّلاةَ لتصير بذلك أهلا بأن تقوم بنفسها ، وهي من التعظيم لأمر الله تعالى . ولما ذكر تعالى صلة الخالق أتبعها صلة الخلائق بقوله تعالى : وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ أي : يدفعوها لمستحقيها شفقة على خلق الله تعالى إعانة على الدين ، أي : ولكنهم حرّفوا ذلك وبدّلوه بطبائعهم المعوجة ، وتدخل الزكاة عند أهل الله تعالى في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل وجاه ، وغير ذلك كما هو واضح من قوله تعالى : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] . وَذلِكَ أي : والحال أنّ هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور دِينُ الْقَيِّمَةِ أي : الملة المستقيمة ، وأضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين ، وأنث القيمة ردّا بها إلى الملة . وقيل : الهاء للمبالغة فيه . وقيل : القيمة هي الكتب التي جرى ذكرها ، أي : وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعوا إليه وتأمر به ، كما قال تعالى : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [ البقرة : 213 ] . وقال النضر بن شميل : سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ فقال : القيمة جمع القيم ، والقيم والقائم واحد . قال البغوي : ومجاز الآية : وذلك دين القائمين لله تعالى بالتوحيد . ثم ذكر تعالى ما للفريقين فقال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : وقع منهم الستر لمرأى عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك ، وإن لم يكونوا عريقين فيه مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي : اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ أي : العريقين في الشرك فِي نارِ جَهَنَّمَ أي : النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة خالِدِينَ فِيها أي : يوم القيامة ، أو في الحال لسعيهم لموجباتها . واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي في النوع ، بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته أُولئِكَ أي : هؤلاء البعداء البغضاء هُمْ أي : خاصة بما لضمائرهم من الخبث شَرُّ الْبَرِيَّةِ أي : الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم وفرّطوا في حوائجهم ومآربهم ،