الخطيب الشربيني
656
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
واختلفوا في أي ليلة منه فقال ابن رزين : هي الليلة الأولى من رمضان ، وقال الحسن البصري : السابعة عشر ، وقال أنس : التاسعة عشر ، وقال محمد بن إسحاق : الحادية والعشرون ، وقال ابن عباس : الثالثة والعشرون ، وقال أبيّ بن كعب : السابعة والعشرون . وقيل : التاسعة والعشرون ، وقيل : ليلة الثلاثين ، وكل استدل على قوله بما يطول الكلام عليه . والقول الثاني وهو ما عليه الأكثرون أنها مختصة بالعشر الأخير منه ، واستدل لذلك بأشياء منها : ما روى عبادة بن الصامت « أنه سأل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن ليلة القدر فقال : في رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر » . ومنها : ما روي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان » « 1 » . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها » « 2 » . وعنها قالت « كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله » « 3 » . واختلفوا في أنها أي ليلة من العشر ، هل في ليلة من ليالي العشر كله ، أو في أوتاره فقط ، وهل تلزم ليلة بعينها ، أو تنتقل في جميعه أقوال . والذي عليه الأكثر أنها في جميعه ، ولكن أرجاها أوتاره وأرجى الأوتار عند إمامنا الشافعي رضي الله عنه ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين يدل للأوّل خبر الصحيحين وللثاني خبر مسلم وأنها تلزم عنده ليلة بعينها . وقال المزني صاحب الشافعي وابن خزيمة : إنها متنقلة في ليالي العشر جمعا بين الأحاديث ، قال النووي : وهو قويّ . وقال في مجموعه أنه الظاهر المختار وخصها بعض العلماء بأوتار العشر الأواخر ، وبعضهم بأشفاعه . وقال ابن عباس وأبيّ : هي ليلة سبع وعشرين وهو مذهب أكثر أهل العلم ، واستنبط ذلك بعضهم من أنّ ليلة القدر ذكرت ثلاث مرّات ، وهي تسعة أحرف ، وإذا ضربت تسعة في ثلاثة تكون سبعة وعشرين ، وبعضهم استنبط ذلك من عدد كلمات السورة ، وقال : إنها ثلاثون كلمة وفاقا ، وقوله تعالى : هِيَ السابع والعشرون ، وهي كناية عن هذه الليلة فبان أنها ليلة السابع والعشرين ، وهو استنباط لطيف وليس بدليل كما قيل : وفيها نحو الثلاثين قولا وبضع وعشرون حديثا وأفردت بالتصنيف ، وفيما ذكرناه كفاية . وذكروا للسبب في إخفائها عن الناس وجوها : أحدها : أنه تعالى أخفاها ليعظموا جميع السنة على القول بأنها فيها ، أو جميع رمضان على القول به ، أو جميع العشر الأخير على القول به ، كما أخفى رضاه في الطاعات ليرغبوا في كلها ، وأخفى غضبه في المعاصي ليحذروها كلها ، وأخفى وليه من المسلمين ليعظموهم كلهم ، وأخفى
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتكاف حديث 2027 ، ومسلم في الصيام حديث 1167 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1383 ، والنسائي في السهو حديث 1356 ، وابن ماجة في الصيام حديث 1766 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الاعتكاف حديث 1175 ، والترمذي في الصوم حديث 796 ، وابن ماجة في الصيام حديث 1767 . ( 3 ) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر حديث 2024 ، ومسلم في الاعتكاف حديث 1174 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1376 ، والنسائي في قيام الليل حديث 1639 .