الخطيب الشربيني
645
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَطُورِ سِينِينَ ، أي : الجبل الذي ناجى عليه موسى عليه السلام ربه عز وجل ، وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي هو فيه فأضيف الجبل إلى المكان الذي هو فيه . وقال مقاتل والكلبيّ : سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض ، ولو جعل اسما للمكان أو للمنزل أو اسم مذكر لانصرف لأنك سميت مذكرا بمذكر وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدّسة ، وقد بارك فيها قال الله تعالى : إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [ الإسراء : 1 ] ولا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه . وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ، أي : الآمن ، من أمن الرجل أمانة فهو أمين ، وهي مكة حرسها الله تعالى ؛ لأنها الحرم الذي يأمن الناس فيه في الجاهلية والإسلام ، لا ينفر صيده ولا يعضد ورقه ، أي : شجره ، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله . قال الزمخشريّ : ومعنى القسم بهذه الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر منها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم عليه السلام ، ومولد عيسى عليه السلام ومنشؤه والطور المكان الذي نودي منه موسى عليه السلام ، ومكة البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ومبعثه ا ه . وقوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا ، أي : قدّرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة والقدرة التامّة الْإِنْسانَ جواب القسم والمراد بالإنسان : الجنس الذي جمع فيه الشهوة والعقل ، وفيه من الإنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه الشامل لآدم عليه السلام وذريته . وقيل : نزلت في منكري البعث . وقيل : في الوليد بن المغيرة وقيل : كلدة بن أسيد . وقوله تعالى : فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ صفة لمحذوف ، أي : في تقويم أحسن تقويم . وقال أبو البقاء : في أحسن تقويم في موضع الحال من الإنسان ، وأراد بالتقويم القوام لأن التقويم فعل وذاك وصف للخالق لا للمخلوق ، ويجوز أن يكون التقدير في أحسن قوام التقويم فحذف المضاف ، ويجوز أن تكون في زائدة ، أي : قومناه أحسن تقويم ا ه . وأحسن تقويم أعدله لأنه تعالى خلق كل شيء منكبا على وجهه وخلق الإنسان مستويا ، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها . قال ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فإنّ الله تعالى خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما وهذه صفات الله تعالى وعبر عنها بعض العلماء ، ووقع البيان بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله تعالى خلق آدم على صورته » « 1 » يعني : على صفاته المتقدّم ذكرها . وفي رواية « على صورة الرحمن » ومن أين يكون للرحمن صورة شخصية فلم تكن إلا معاني . وروي أنّ عيسى بن يوسف الهاشميّ كان يحب زوجته حبا شديدا ، فقال لها يوما : أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر فنهضت واحتجبت عنه ، وقالت : طلقتني فبات بليلة عظيمة فلما أصبح غدا إلى دار المنصور فأخبره الخبر ، فاستحضر الفقهاء واستشارهم ، فقال جميع من حضر قد
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 2612 ( 115 ) ، وأحمد في المسند 2 / 244 ، 251 ، 323 ، 434 ، 463 ، 519 .