الخطيب الشربيني
637
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الفراء ، وقال : لم يكن غنى عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه ، وذلك حقيقة الغنى . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس » « 1 » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه » « 2 » . وقيل : أغناك بمال خديجة وتربية أبي طالب ، ولما اختل ذلك أغناه بمال أبي بكر ولما اختل ذلك أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم . روى الزمخشري : أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « جعل رزقي تحت ظل رمحي » « 3 » . وقال الرزاي : العائل ذو العيلة ثم أطلق على الفقير ، ويجوز أن يراد ووجدك ذا عيال لا تقدر على التوسعة عليهم فأغناك بما جعل لك من ربح التجارة ، ثم من كسب الغنائم . وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته ، قلت : يا رب إنك آتيت سليمان بن داود ملكا عظيما ، وآتيت فلانا كذا وفلانا كذا قال : يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك ، قلت : بلى يا رب . قال : ألم أجدك ضالا فهديتك ؟ قلت : بلى يا رب ، قال : ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟ قلت : بلى يا رب » « 4 » . وفي رواية « ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك ؟ قلت بلى يا رب » « 5 » . ثم أوصاه باليتامى والمساكين والفقراء فقال تعالى : فَأَمَّا الْيَتِيمَ ، أي : هذا النوع فَلا تَقْهَرْ قال مجاهد : لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما . وقال الفراء : لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه كما كانت العرب تفعل في أموال اليتامى ، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ، ثم قال بإصبعيه : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وهو يشير بإصبعيه » « 6 » . تنبيه : اليتيم منصوب بتقهر ، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل ، ألا ترى أنّ اليتيم منصوب بالمجزوم وقد تقدّم على الجازم ، ولو تقدّم على لا ، لامتنع ؛ لأنّ المجزوم لا يتقدّم على جازمه كالمجرور لا يتقدّم على جاره وفي الآية دلالة على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من ضمّ يتيما وكان في نفقته وكفاه مؤنته كان له حجابا من النار يوم القيامة » « 7 » . وقال : « من مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة » « 8 » . وقال قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق حديث 6446 ، ومسلم في الزكاة حديث 1051 ، والترمذي في الزهد حديث 2373 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4137 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 1054 ، والترمذي في الزهد حديث 2348 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 88 ، وأحمد في المسند 2 / 50 ، 92 . ( 4 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 253 - 254 . ( 5 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 254 . ( 6 ) أخرجه ابن ماجة حديث 3679 ، والتبريزي في مشكاة المصابيح 4973 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6 / 291 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 5994 . ( 7 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 20 / 101 ، وأخرجه أحمد في المسند 4 / 344 ، 5 / 29 ، بلفظ : « من ضم يتيما بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت . . . » . ( 8 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 8 / 284 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 160 .