الخطيب الشربيني
635
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين . ولما أعطاه في الآخرة من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله تعالى . قال ابن عباس : له في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك . فإن قيل : ما هذه اللام الداخلة على سوف ؟ أجيب : بأنها لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف تقديره : ولأنت سوف يعطيك ، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم أو ابتداء فلام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد نبقي أن تكون لام ابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر فلا بدّ من تقدير مبتدأ وخبر ، وأن يكون أصله : ولأنت سوف يعطيك . فإن قيل : ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير ؟ أجيب : بأن معناه : أنّ العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة على أنه تعالى أخبر نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالحال التي كان عليها . فقال جل ذكره : أَ لَمْ يَجِدْكَ وهو استفهام تقرير ، أي : وجدك يَتِيماً وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر ، وقيل : مات قبل ولادته وماتت أمّه وهو ابن ثمان سنين . فَآوى ، أي : بأن ضمك إلى عمك أبي طالب فأحسن تربيتك . وعن مجاهد : هو من قول العرب درة يتيمة إذا لم يكن لها نظير ، فالمعنى : ألم يجدك يتيما واحدا في شرفك فآواك الله تعالى بأصحاب يحفظونك ويحوطونك . وهذا خلاف الظاهر من الآية ، ولهذا قال الزمخشري : ومن بدع التفاسير أنه من قولهم : درة يتيمة ، وأنّ المعنى : ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير فآواك . فإن قيل : كيف أنّ الله تعالى يمنّ بنعمه والمنّ بها لا يليق ، ولهذا ذمّ فرعون في قوله لموسى عليه السلام : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [ الشعراء : 18 ] ؟ أجيب : بأنّ ذلك يحسن إذا قصد به تقوية قلبه ووعده بدوام النعمة ، فامتنان الله تعالى زيادة نعمة بخلاف امتنان الآدمي . واختلفوا في قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى فأكثر المفسرين على أنه كان ضالا عما هو عليه الآن من الشريعة فهداه الله تعالى إليها ، وقيل : الضلال بمعنى الغفلة كقوله تعالى : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] ، أي : لا يغفل . وقال تعالى في حق نبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [ يوسف : 3 ] . وقال الضحاك : المعنى : لم تكن تدري القرآن وشرائع الإسلام فهداك إلى القرآن وشرائع الإسلام . وقال السدي : وجدك ضالا ، أي : في قوم ضلال فهداهم الله تعالى بك ، أو فهداك على إرشادهم . وقيل : وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها . وقيل : ناسيا شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فذكرك كقوله تعالى : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [ البقرة : 282 ] . وقيل : وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها . كقوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [ البقرة : 144 ] الآية ، ويكون الضلال بمعنى الطلب لأنّ الضال طالب وقيل : وجدك ضائعا في قومك فهداك إليهم ، ويكون الضلال ، بمعنى المحبة كما قال تعالى : تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [ يوسف : 95 ] ، أي : محبتك . قال الشاعر « 1 » : هذا الضلال أشاب مني المفرقا * والعارضين ولم أكن متحققا عجبا لعزة في اختيار قطيعتي * بعد الضلال فحبلها قد أخلقا
--> ( 1 ) البيتان لم أجدهما في المصادر والمراجع التي بين يدي .