الخطيب الشربيني

632

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

سورة الضحى مكية ، وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة وسبعون حرفا . ولما نزلت كبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فسنّ التكبير آخرها وروي الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها وهو الله أكبر أو لا إله إلا الله والله أكبر . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ الملك ذي الجلال والإكرام الرَّحْمنِ الذي عمّ بنعمته الخاص والعام الرَّحِيمِ الذي خص أهل ودّه بإتمام الإنعام . [ سورة الضحى ( 93 ) : الآيات 1 إلى 11 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى ( 8 ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) وقوله تعالى : وَالضُّحى قسم ، وقد مرّ الكلام على ذلك وخصه بالقسم لأنها الساعة التي كلم فيها موسى عليه السلام وألقى السحرة فيها سجدا ، وهو صدر النهار كله بدليل أنه قابله بالليل في قوله تعالى : وَاللَّيْلِ ، أي : الذي به تمام الصلاح إِذا سَجى ، أي : سكن وركد ظلامه يقال ليلة ساجية ساكنة الريح وقيل : معناه سكون الناس والأصوات فيه ، وسجى البحر : سكنت أمواجه ، وطرف ساج فاتر . وقال قتادة : أقسم بالضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى وبليلة المعراج التي عرج فيها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى قدّم هنا الضحى وفي السورة التي قبلها الليل ؟ أجيب : بأنّ لكل منهما أثرا عظيما في صلاح العالم . ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] وللنهار فضيلة النور فقدّم سبحانه هذا تارة وهذا أخرى ، كالركوع والسجود في قوله تعالى : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [ الحج : 77 ] وقوله تعالى : وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [ آل عمران : 43 ] أو أنه قدّم الليل في سورة أبي بكر لأنّ أبا بكر سبقه كفر ، وقدّم الضحى في سورة محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه نور محض ولم يتقدّمه ذنب ، أو أنّ سورة والليل سورة أبي بكر وسورة الضحى سورة محمد صلى اللّه عليه وسلم ولم يجعل بينهما واسطة ليعلم أنّه لا واسطة بين محمد صلى اللّه عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه . فإن قيل : ما الحكمة في كونه تعالى ذكر الضحى ، وهو ساعة وذكر الليل بجملته ؟ أجيب : بأنّ في ذلك إشارة إلى أن ساعة من نهار توازن جميع الليل كما أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم يوازن جميع الأنبياء